لورا والحقيقة التي أنقذتها
بينما كنتُ أجرّب حذائي الخاصّ بالزفاف أمام المرآة، سمعتُ همسَ حماتي المستقبلية تقولهل أنت متأكّد أنّها لا تشكّ في شيء؟ نريد شقّتها ومالها. وبعدها سنُدخلها المصحّ العقلي تجمّدتُ في مكاني، عاجزةً عن نطق حرفٍ واحد ثمّ ابتسمت.
كنتُ وحدي في غرفة النوم، جالسةً على السجّادة، أجرّب حذائي أمام المرآة. كان فستان الزفاف معلّقًا قريبًا داخل غلافه الأبيض، كأنّه وعدٌ صامتٌ ونقيّ. بعد أقلّ من أسبوعين، كنتُ سأرتبط بدانيال، الرجل الذي ظننتُ أنّني أعرفه أكثر من أيّ إنسان.
شقّتي الواسعة والمضيئة في قلب فالنسيا تحوّلت إلى مقرّ التحضيرات للزفاف، لأنّهكما قالالأكثر عمليّة. لم يخطر ببالي أيّ شك. كنتُ أرى في ذلك دليلًا على انتمائه، على أنّه يعتبر هذا المكان بيته. كنتُ أرى ما أردتُ أن أرى.
وأنا أُحكم إبزيم الحذاء الأيسر، سمعتُ أصواتًا قاد مة من المطبخ. كان الباب مواربًا قليلًا. تعرّفتُ فورًا إلى صوت كارمن، حماتي المستقبليةمنخفضًا، لكن حازمًا. توقّفتُ عن الحركة دون وعي، ولم أجرؤ حتّى على التقاط أنفاسي.
هل أنت متأكّد أنّها لا تشكّ في شيء؟ سألت كارمن.
قفز قلبي من مكانه. جاء ردّ دانيال بنبرةٍ لم أسمعها منه من قبلباردة، محسوبة، لا أثر فيها لصوت الرجل الذي كان يقرأ لي الشعر على شرفة البحر
لا يا
سرت قشعريرةٌ في عمودي الفقري. ضحكت كارمن ضحكةً قصيرةً جافّةتلك الضحكة التي كنتُ دائمًا أفسّرها على أنّها برود الشخصية لا أكثر.
ممتاز. أوّلًا نأخذ شقّتها ومالها. ثمّ نقول إنّها غير مستقرة نفسيًّا. ببعض التقارير الطبّية ومحامٍ جيّد، نُدخلها المصحّ. لن يأخذها أحد على محمل الجد.
بدأت يداي ترتجفان. سقط الحذاء على الأرض بصوتٍ مكتوم. وضعتُ يدي على فمي كي لا أصرخ. لم أصدّق ما أسمع. أنا، لورا مارتينيزالمهندسة المعمارية المستقلة التي بنت حياتها بيديهاتحوّلتُ إلى خطة، إلى غنيمة.
ليس لديها عائلة قريبة، تابعت كارمن. وأنت ستكون الزوج القَلِق. كلّ شيء سيكون سهلًا.
وصديقاتها؟
قلّة. وغير مؤثّرات. من سيصدّق امرأةً وصفها زوجها وطبيبها بأنّها غير متوازنة؟ الجميع يريد أن يصدّق القصّة الأبسط يا دانيال.
لثوانٍ بدت أبديّة، توقّف العالم. مرّت أمام عينيّ كلّ صغيرة وكبيرة كيف أصرّ على أن تُجرى التحضيرات في شقّتي، كيف سألني مرّتين عن تفاصيل حساباتي البنكية لترتيب شهر العسل، كيف اقترح كارمن ذات مرّة أن نوفّر على محامٍ وأن نوقّع الأوراق بأنفسنا. كلّ الأشياء التي فسّرتُها بالحبّ كانت في الحقيقة جزءًا من خريطة.
شعرتُ بالغثيان، بالغض .
لا تبكي. تبني من
جديد.
وعلى عكس كلّ منطق ابتسمتُ.
ابتسمتُ لأنّني أدركتُ أنّني تلقّيتُ أخطر وأثمن هديّة الحقيقة. وبينما كانا يخطّطان لد ماري في المطبخ، كنتُ أنا قد بدأتُ بالفعل في التخطيط لنجاتي.
التقطتُ الحذاء من الأرض. أحكمتُ إبزيمه. وجلستُ بهدوء تامّ.
وعند ما فتح دانيال باب الغرفة بعد دقائق ورآني جالسةً أمام المرآة، رفعتُ رأسي وقلتُ بنعومة كاملة
إنّه مناسب تمامًا.
ابتسم ابتسامته الواسعة المعتادة. تلك التي كنتُ أظنّها ملكي.
غير مدركٍ أنّ لعبته، في تلك اللحظة تحديدًا، كانت قد بدأت تتفكّك.
الجزء الثاني الخطوة الأولى
تلك الليلة، بعد أن غادر دانيال وأمّه بحجّة شراء بعض الأغراض للحفل، جلستُ في المطبخ وأمامي كوبٌ من القهوة الباردة لم أشربه. كانت أفكاري تتسابق، لكنّ يديّ ثابتتان تمامًا. شيءٌ ما تغيّر في داخلي بشكلٍ جذري لا رجعة عنهكحجرٍ سقط في بئر وأحدث موجات لن تتوقّف.
فتحتُ هاتفي وأرسلتُ رسالة واحدة فقط إلى صديقتي إيلينا، المحامية التي أعرفها منذ سنة أولى ج امعة، حين كنّا نتشارك
أحتاج إليكِ غدًا. الأمر عاجل جدًّا. لا تذكري اسمي لأحد.
جاء ردّها خلال دقيقتين سأكون في مكتبي الساعة التاسعة. تعالي. وكوني بخير.
أغلقتُ الهاتف ونظرتُ إلى فستان الزفاف المعلّق في الغرفة. كان لا يزال يبدو جميلًا من هذه المسافةأبيض ناصعًا، ناعم الحرير. كأنّ الكذبة، إن ابتعدتَ عنها كفايةً، تبدو أحيانًا كالحقيقة.
لكنّني كنتُ على مسافة قريبة جدًّا الآن لأرى الخيوط.
قمتُ بهدوء، فتحتُ خزانة الملابس، وبدأتُ أُخرج منها الأوراق التي لم يعرف دانيال أنّني أحتفظ بها في الخلف خلف الملابس عقد الشقّة الأصلي، وثائق الحساب المصرفي، عقود مشاريعي المعمارية المستقلة، شهادات التسجيل المهني. كلّ ورقةٍ وضعتُها في حقيبة جلدية صغيرة، ببطء وتأنٍّ، كأنّني أُعيد حساب ما أملك قبل أن يُسرق.
كانت الساعة قد تجاوزت الثانية عشرة ليلًا حين فعلتُ شيئًا واحدًا أخيرًا قبل النوم اتّصلتُ بخطّ البنك الدولي وغيّرتُ كلمة سرّ الحساب ورقم التحقّق. ليس من الخۏف المشلۏلبل من ذلك الهدوء البارد الذي يأتي حين يرى الإنسان بوضوح ويقرّر ألا يضيّع لحظةً واحدة.
قبل أن أضع رأسي على الوسادة، نظرتُ مرّةً أخرى إلى الفستان. وللمرّة الأولى منذ اشتريتُه، لم أشعر بشيء تجاهه.
وكان هذا أوضح