الحركة الأولى

لمحة نيوز

بقيت كارمن واقفةً، وفي عينيها ذلك التردد الذي تعرفه لوسيا جيدًاليس خوفًا، بل حسابًا. الفتاة تزن الأمر.
جيّد. هذا يعني أنها ذكية.
أنتِ تعرفين من هو أليخاندرو سولانو، أليس كذلك؟
أومأت كارمن برأسها ببطء. رجل أعمال يُقال إنه من أبرز الوجوه في قطاع البناء.
يُقال. كرّرت لوسيا الكلمة كأنها تمضغها. ما لا يُقال هو أن اسمه يظهر في ثماني عقود وهمية على الأقل، مبنية على توقيعي. توقيعي أنا. التي لم أوقّع شيئًا منها.
تغيّر شيء في ملامح كارمن.
إذن أنتِ
أنا لا أمو ت، يا كارمن. قالتها لوسيا بهدوء مطلق. أنا مُسمَّمة. وفرق كبير بين الاثنتين.
كان الطبيب المعالج، الدكتور موراليس، قد بدأ يلاحظ شيئًا غريبًا منذ الأسبوع الماضي. أعراض فشل الكبد تسير بسرعة غير اعتيادية بالنسبة لحالتها. الأرقام لا تنسجم مع تاريخها الطبي. لكنه لم يتكلملأن زوجها يموّل الجناح الجديد في المستشفى.
هذه التفاصيل أخبرتها بها كارمن، لاحقًا، بعد أن قرّرت.
والقرار لم يستغرق منها طويلاً.
ماذا تريدين مني تحديدًا؟ سألت كارمن وقد جلست على حافة الكرسي، وصوتها أخفض من قبل.
فتحت لوسيا يدها ببطء. كانت ثمة خاتم ذهبي على أصبعها الصغيرخاتم لا يبدو ثمينًا بأي حال.
اسلخي هذا الخاتم بلطف. في داخله رقم. اتصلي به وقولي كلمة واحدة فقط غرناطة.
من هو؟
محامٍ. الوحيد الذي لا يعرف أليخاندرو أنني أعرفه.
أمسكت كارمن بالخاتم بأصابع حذرة. وبعد ذلك؟
بعد ذلك، أريدك أن تطلبي من الدكتور موراليس إجراء فحص ډم إضافي. ليس من البروتوكول المعتاد. من بروتوكوله الخاص، ذاك الذي يعرفه ويتهرب من تطبيقه.
سيرفض.
لا. ابتسمت لوسيا، وللمرة

الأولى وصلت الابتسامة إلى عينيها. لن يرفض حين تخبريه أن شخصًا ما يعرف تمامًا لماذا يتهرب.
في الممرّ، كان أليخاندرو يتحدث على هاتفه بنبرة خاڤتة ومطمئنة.
لا، لا داعي للقلق. الأمور تسير بالوتيرة المطلوبة. أتوقع أن كل شيء سينتهي قبل نهاية الأسبوع.
توقف، أصغى.
نعم. المحامي جاهز لنقل الملكية فور حدوث ما سيحدث.
ضحك ضحكة صغيرة، أنيقة.
اطمئن. إنها امرأة لم تتعلم يومًا أن تقاتل.
وفي الغرفة رقم سبعة عشر، كانت لوسيا تغمض عينيها.
لا لتنام.
ا الخطوة التالية، والتي تليها، وتلك التي ستجعله يفهمحين يكون الأوان قد فات تمامًاأنه لم يتزوج امرأة.
بل تزوّج خطأه الأكبر.
الخطوة الثانية من يملك الحقيقة يملك كل شيء
جاء المحامي في اليوم التالي.
لم يأتِ بزيّ رسمي، ولا بحقيبة جلدية فاخرة تلفت الانتباه. جاء في هيئة زائر عاديقميص رمادي، وردة بلاستيكية رخيصة في يده، وابتسامة تلائم رجلاً يزور قريبة مريضة.
اسمه فيكتور أيالا. وكانت لوسيا تعرفه منذ خمس عشرة سنة، قبل أن يصبح أليخاندرو جزءًا من حياتها.
أغلقت كارمن باب الغرفة خلفه بهدوء، ووقفت قرب النافذة تراقب الممرّ.
جلس فيكتور بجانب السرير. نظر إلى وجه لوسيا الشاحب، وإلى الأنابيب المتصلة بذراعيها، ولم يُخفِ ما في عينيه.
كم من الوقت لديكِ؟ سأل، وصوته خاڤت وجاد.
بما يكفي. أجابت. إن تحرّكنا الآن.
فتح حقيبة قماشية صغيرة وأخرج منها جهاز تسجيل مصغّرًا. سمعتِ ما يكفي؟
سمعتُه يعترف بنفسه، فيكتور. مرّتين. وكارمن شاهدة.
نظر إلى كارمن. نظرت إليه كارمن.
ومستعدة؟ سألها.
أجابت بعد ثانية واحدة فقط. نعم.
لم يكن التسجيل هو كل شيء.
لوسيا تعرف
أن الاعترافات الشفهية وحدها لا تكفي لإسقاط رجل مثل أليخاندرورجل يملك محامين يُكلّفون في الساعة ما يكسبه الآخرون في شهر. تحتاج إلى وثائق. تحتاج إلى
أرقام. تحتاج إلى خيط يشدّ بقية الخيوط.
وكانت تملك ذلك الخيط منذ سنتين.
الملف الأزرق. قالت لفيكتور.
أخرج من باطن الحقيبة مظروفًا سميكًا. وصلني كما طلبتِ. حين أرسلتِه إليّ قبل أن تدخلي المستشفى.
لم أكن متأكدة يومها. قالت لوسيا، وفي صوتها شيء يشبه الحسړة. لكنني كنت أعدّ لاحتمال أنني مخطئة فيه. وقلتُ إن ثبت أنني مخطئة، لن أفتح المظروف. وإن ثبت أنني مصېبة
ثبت. قاطعها فيكتور بهدوء.
ثبت. كرّرت.
كان المظروف يحتوي على صور لصفحات من دفاتر حسابات قديمةحسابات كانت لوسيا تُدير جزءًا منها قبل مرضها. أرقام حُوّلت، حسابات فُتحت باسمها دون علمها، توقيعات نُسخت بدقة مٹيرة للريبة.
وفي الأسفل، اسم واحد يتكرر في كل صفحة.
أليخاندرو مانويل سولانو.
اليوم الثالث حين يبدأ البناء في الشقوق
في صباح اليوم الثالث، جاء أليخاندرو كعادته.
زنابق بيضاء جديدة. ربطة عنق داكنة. وتلك الطمأنينة الهادئة في خطواتهطمأنينة من يعرف أن النهاية قريبة وأن كل شيء تحت السيطرة.
دخل الغرفة.
وجد لوسيا مستيقظة، جالسةً في السرير، ظهرها مسنود بالوسائد.
توقف.
أنتِ بخير؟
أفضل قليلاً. قالت، بنبرة عادية تمامًا.
جلس، وأعاد تركيب ابتسامته. هذا رائع. المهم أن ترتاحي.
اتصل بي محامٍ اليوم.
تصلّب شيء في وجهه، لكنه لم يتحرك. محامٍ؟ لماذا؟
يبدو أن هناك نقلاً غير صحيح في بعض الأصول. يريد مراجعة بعض الوثائق.
أيّ وثائق؟ من أعطاك رقمه؟
لا أتذكر. ابتسمت ببرود. ربما
كان صديقًا قديمًا.
نظر إليها. ونظرت إليه.
لأول مرة في سنوات، شعر أليخاندرو بشيء لم يتعوّد عليه في حضورها.
شعر بأنه لا يقرأ ما خلف عينيها.
خرج من الغرفة وأغلق الهاتف مباشرة.
كيف حصلت على اسم أيالا؟ سأل بنبرة حادة.
صوت على الطرف الآخر لا أعرف ما تتحدث عنه.
لا تلعب معي. إن كانت قد اتصلت بأيالا، فهذا يعني
يعني أنك تأخّرت. قاطعه الصوت. كان يجب أن تنهي الأمر قبل أسبوع، كما قلت لك.
أغلق أليخاندرو الهاتف.
ووقف في الممرّ الأبيض الطويل، وللمرة الأولى بدا المكان ضيقًا.
التفصيلة التي لم يحسبها
ما لم يعرفه أليخاندرو هو أن الدكتور موراليس، حين واجهته كارمن بهدوء تام وبعبارة واحدة فقطأنا أعرف لماذا لا تُجري الفحصلم يحتج إلى وقت طويل ليقرر.
الرجل ليس شريرًا. هو فقط كان خائفًا. وشتان بين الاثنين.
أجرى الفحص في نفس الليلة. وحين جاءت النتائج، جلس وحده في مكتبه طويلاً قبل أن يحمل الهاتف.
مستوى الزرنيخ في ډمها. منخفض بما يكفي ألا يُثير شكًا فوريًا. ومرتفع بما يكفي ليفسّر كل شيء.
كان يُعطى لها بجرعات صغيرة ومنتظمة. طويلة الأمد. محسوبة لتبدو كفشل عضوي طبيعي.
حمل الدكتور موراليس الملف وذهب مباشرة إلى مدير المستشفى.
ومن هناك، ذهب إلى الشرطة.
الليلة التي تغيّر فيها كل شيء
لم يكن أليخاندرو يعرف أن الشرطة تتحرك حتى رأى السيارتين أمام بيته.
وقف على رصيف الشارع، وبريق مصابيح السيارات يلمع في عينيه، وللحظة لم يتحرك. كأن جسده قرّر قبل عقله أن هذه المعركة خُسرت.
لكنه رجل تعوّد أن ينجو.
أدار ظهره وعاد إلى سيارته. أطفأ هاتفه. وبدأ يفكّر.
هناك حساب في جنيف لا يعرف عنه أحد.
وجواز سفر ثانٍ في الدرج الأيمن بالمكتب. وطائرة خاصة يستطيع استئجارها خلال ساعتين.

 

تم نسخ الرابط