الجزء الثانيرنَّ هاتفُ أمي مرارًالكنها لم تستطع الرد من شدّة الارتباك كانت تبكي وهي تنظر بيني وبين أختي، بينما تحوّل البيت بأكمله إلى فوضى أختي تصرخ وأخي يحاول تهدئتها وزوجها يقف صامتًا، وكأنه أدرك فجأة حجم الكارثة التي صنعها أخذتُ الهاتف من يد أمي حتى أُغلق صوتهلكنني تجمّدت عندما رأيت الاسم على الشاشةأبو فارس والد زوج أختي شعرتُ بانقباضٍ في صدري أجبتُ بسرعة، فجاءني صوته غاضبًا ومضطربًاأين فارس؟!قلت بارتباكإنه هنا ماذا حدث؟لكن الرجل صرخ فجأة بطريقة أرعبتنيأخبروه أن يعود إلى المنزل فورًا الشرطة هنا!ساد الصمت حتى أختي توقفت عن البكاء ونظرت نحونا بخوف ثم سمعنا صوت امرأة تبكي في الخلفيةكانت أمُّه تصرخقلتُ لك لا تتورّط في هذا الأمر!شحب وجه فارس تمامًا ولأول مرة منذ سنواترأيته خائفًا حقًّا اقترب منه أخي وسألهما الذي يحدث؟لكنه لم يُجب أخذ هاتفه بسرعة وغادر المنزل وأختي ركضت خلفه وهي تصرختوقّف! أخبرني ماذا يحدث!لكنه نزل الدرج مسرعًا واختفى في تلك الليلةلم ينم أحد أختي بقيت تبكي في حضن أمي حتى الفجر، وأنا جلست وحدي في غرفتي أشعر أن كل شيء ينهار فوق رأسي لم أكن خائفة
من الفضيحة فقطبل من شيءٍ أكبر لا أفهمه لأن نظرة الرعب في عينيه لم تكن نظرة رجل انكشف أمر رسائلهبل نظرة شخص يخفي مصيبة حقيقية ٣وفي الصباحانتشر الخبر فارس اختفى ترك هاتفه وسيارتَه وحتى محفظته وبدأت الشرطة تبحث عنه عرفنا الحقيقة تدريجيًا كان متورطًا في ديونٍ كبيرة بسبب تجارة خاسرة أخفاها عن الجميع منذ عام كامل وكان يستدين الأموال باسم مشاريع وهمية حتى اقترض مبلغًا ضخمًا من رجلٍ معروف بخطورته وعندما عجز عن السدادبدأ يبيع كل شيء بصمت سيارته ذهب والدته بل وحتى بعض أثاث منزله لكن أختي لم تكن تعلم شيئًا كان يوهمها أن حياته مثالية، وينشر صور الرحلات والهدايا والمطاعم على مواقع التواصل، بينما كان يغرق في مشاكله يومًا بعد يوم أما الرسائل التي كانت بيني وبينهفلم تكن كما ظنّت أختي الحقيقة التي لم يعرفها أحدأنه كان يكلمني لأنه كان يبحث عن شخص يسمعه كان يشتكي كثيرًا ويقول إنه يشعر أن حياته تنهار وفي كل مرة كنت أقول لهصارح زوجتك بالحقيقة لكنه كان يرفض وكان يردد دائمًاإذا عرفتْ ستكرهني لكن الكارثة الحقيقية لم تكن هنا بعد أسبوع من اختفائهوصلت رسالة إلى هاتف أختي من رقم مجهول كانت
صورة وعندما فتحتهاشهقت شهقة جعلتنا جميعًا نركض نحوها كانت صورة فارس وجهه متعب وعيناه مليئتان بالخوف وخلفه جدار قديم يشبه المخازن المهجورة أما الرسالة فكانتإذا أردتم رؤيته حيًّا فليُسدّد ما عليه صرخت أمي وفقدت أختي وعيها فورًا ومنذ تلك اللحظةتحوّل البيت إلى جحيم الشرطة تدخل وتخرج والأقارب عرفوا القصة والكلام انتشر بسرعة في المنطقة أما أختيفتحوّلت إلى إنسانة أخرى لم تعد تلك الفتاة التي تتباهى بزوجها أمام الجميع أصبحت شاحبة وصامتة، تجلس لساعات تحدّق في هاتفها بانتظار أي خبر.
٤وفي إحدى اللياليدخلت غرفتي فجأة كانت عيناها حمراوين من شدّة البكاء جلست أمامي بهدوء غريب، ثم قالتهل كنتِ تعلمين أنه يمرّ بكل هذه المشاكل؟تجمّدت في مكاني ثم هززت رأسي ببطءكنت أعلم أنه متعب لكنني أقسم أنني لم أعرف الحقيقة كاملة صمتت طويلًا ثم قالت جملة كسرت قلبيكنتُ منشغلة دائمًا بصورة حياتي أمام الناس ولم ألاحظ أن بيتي كان ينهار ولأول مرة منذ سنواترأيتها ضعيفة ليست متكبرة ولا ساخرة ولا تلك الأخت التي كانت تؤذيني بكلماتها بل امرأة مكسورة فقط ثم بدأت تبكي بكاءً حقيقيًا موجعًاوكأنها فقدت كل شيء
دفعة واحدة اقتربتُ منها دون تفكيرواحتضنتها وفي تلك اللحظة فقطبكيت أنا أيضًا ليس بسبب فارس بل بسبب السنوات التي ضاعت بيننا في الغيرة والكبرياء والمقارنات مرّت ثلاثة أشهر كاملةحتى عثرت الشرطة عليه أخيرًا في مدينة بعيدة كان حيًّا لكنه بدا محطمًا تمامًا وعندما عاداكتشفنا الصدمة الأخيرة الرجل الذي هدّده لم يكن يريد المال فقطبل كان يستغلّه في أعمالٍ غير قانونية حتى يغرق أكثر فأكثر ولهذا هرب ولهذا كان مرعوبًا انتهى الأمر بسجنه عدة سنوات بعد التحقيقات أما أختيفطلبت الطلاق فورًا وتركت منزلها وعادت لتعيش مع أمي وفي يوم المحكمةوقفتُ بجانبها للمرة الأولى منذ سنوات كانت ترتجف وهي توقّع أوراق الطلاق ثم نظرت إليّ وقالت بصوت مكسورسامحيني لم أعرف حينهاهل كانت تعتذر عن سخريتها مني؟أم عن كل ما حدث بيننا؟لكنني أمسكت يدها فقط وقلتنحن شقيقتان والدنيا كسرتنا كلتينا اليوممرّت سنتان كاملتان أختي تغيّرت كثيرًا، وأصبحت أقرب الناس إليّ.أما أنافلم أعد أبحث عن قيمتي في الزواج أو في نظرة الناس لأنني تعلمت بالطريقة الأصعبأن البيوت التي تبدو مثالية أمام الجميعقد تكون مليئة بالانهيارات من الداخل.