أختي ركلت بنتي اللي عندها تمن سنين حكايات صابرين محمد
أختي ركلت بنتي اللي عندها تمن سنين قدام أكتر من ميتين واحد ، عشان كام نقطة عصير وقعوا على جزمتها وأمي بدل ما تجري تحضن حفيدتها لفت ناحيتي وضربتني بالقلم قدام الناس كلها وهي بتصرخ: إنتِ عمرك ما عملتي حاجة للعيلة اطلعي برا. وأنا واقعة على الأرض وبمسح شفايفي ، طلعت موبايلي وعملت مكالمة واحدة بس ساعتها أختي اللي كانت واقفة منفوخة اتبدلت ملامحها في ثواني وجريت عليّا وهي بتصرخ قدام الكل: لا بالله عليكي اقفلي الخط
وفجأة رد الراجل بصوت هادي وهو بيقول: تحت أمرك يا فندم نبدأ تنفيذ التعليمات؟
وفجأة القاعة كلها سكتت.
كنت ضامّة مريم في حضني، وحاسة بجسمها الصغير بيرتعش من أثر الركلة اللي خدتها، لكن صوتي خرج ثابت وواضح.
قلت:
"فعّل بند الإلغاء الفوري. بنتي اتعرضت للضرب جوه البيت، وعايزة ده يتسجل رسمي. ومن اللحظة دي أنا بسحب الإذن باستخدام بيت عيلة منصور أو إقامة أي احتفال فيه. وكمان عايزة الموثق ورجال الأمن يوصلوا حالًا."
فاطمة بطلت تمسح الجزمة بتاعتها.
وأمي، خديجة، قربت مني بخطوة، وعلى وشها نفس نظرة الغضب اللي كنت بشوفها من وأنا صغيرة... نفس النظرة اللي كانت بتظهر كل مرة أعمل فيها حاجة تخليها تبطل تقدّس بنتها المدللة.
صرخت في وشي:
"إنتِ بتقولي إيه؟!"
بصيت لها بهدوء، ومن غير ما أرفع صوتي.
"بتكلم عن البيت... البيت ده. البيت اللي فاطمة، على حسب كلامك، هي اللي أنقذته."
همهمة خفيفة سرت بين المعازيم، زي نسمة ساقعة عدّت وسط القاعة.
كل واحد بقى يبص للتاني، ومحدش عارف إذا كان اللي بيحصل ده جزء من الحفلة... ولا الحقيقة اللي طول عمرها مستخبية في العيلة دي بدأت تظهر أخيرًا.
أبويا كان واقف جنب المدفأة، ماسك كوباية في إيده.
واقف مكانه...
ساكت بشكل غريب.
وسكوته وقتها قال لي أكتر من أي كلام كان ممكن
قالت فاطمة وهي ابتسامتها المتعجرفة بدأت تختفي:
"إوعي تعملي فضيحة يا سارة... بنتك هي اللي مهملة ومش بتعرف تمشي."
مريم استخبت في حضني أكتر.
عدّيت بإيدي على شعرها، وبعدها رفعت عيني وبصيت لفاطمة...
بصة أول مرة أبصهالها في حياتي.
من غير خوف...
ومن غير ما أستنى رضاها...
ومن غير ما أحاول أهرب من عصبيتها زي كل مرة.
قلت بهدوء:
"إنتِ ركلتيها... قدام أكتر من ميتين واحد. المشهد اللي حصل ده إنتِ اللي عملتيه... مش أنا."
في اللحظة دي...
أمي رفعت إيديها وصفعتني مرة تانية.
الصفعة دي ما كانتش بقوة الأولى.
لأنها ما كانتش عقاب...
كانت طلعة يأس وخوف.
سمعت أكتر من واحد من المعازيم شهق من الصدمة.
وبرغم إن محدش اتحرك يمنعها...
المرة دي محدش قدر يتظاهر إنه ما شافش اللي حصل.
صرخت أمي، خديجة، بصوت هز القاعة كلها:
"خلاص بقى! فاطمة هي اللي رجعتلنا اسم عيلتنا، ورجعتلنا بيتنا وكرامتنا! وإنتِ ما عملتيش حاجة غير إنك جيتي بالبنت دي وخرّبتي كل حاجة!"
مسحت الدم من على شفايفي، وهزيت راسي بهدوء غريب.
وقلت:
"يبقى اللي هقوله دلوقتي هيكون صعب عليكي تسمعيه يا أمي... لأن فاطمة ما اشترتش أي حاجة. أنا اللي رجعت اشتريت القصر ده من ست شهور عن طريق شركتي. أنا اللي سددت ديون الحجز، وأنا اللي دفعت كل الضرائب المتراكمة، وسيبتكم تعيشوا هنا لحد ما أخلص إجراءات العقد النهائي... علشان محدش في العيلة يعرف الحقيقة وتتكسفوا قدامهم."
وفجأة...
القاعة كلها غرقت في صمت تقيل.
وش فاطمة اصفر في لحظة.
وأمي بصتلي كأنها مش مستوعبة اللي سمعته.
أما أبويا...
فأول مرة وطّى راسه.
قالت فاطمة وهي بتتهته:
"كدب... ده كدب! بابا... قول أي حاجة!"
لكن قبل ما يرد...
باب القاعة اتفتح.
ودخل تلاتة.
ما دخلوش وهم بيجروا، ولا عملوا دوشة.
دخلوا بكل هدوء...
شايلين ملفات، وأجهزة لوحية، وبالبرود اللي دايمًا بييجي مع الحقيقة لما تكون مكتوبة بالأوراق.
اتجه المحامي سامي ناحيتي الأول، وقال باحترام:
"أستاذة سارة... العقد موجود."
فتح الملف، وكمل:
"العقار مسجل باسم شركة حضرتك، ووالد حضرتك ووالدتك ليهم حق انتفاع مؤقت قابل للإلغاء، أما التصريح اللي كان مع السيدة فاطمة لإقامة حفل إعادة الافتتاح، فكان تصريح مؤقت، بشرط عدم تعريض أي شخص للأذى، وعدم الادعاء علنًا إنها مالكة العقار."
فتح الموثق الملف، وورّى الأختام الرسمية.
بعض المعازيم طلعوا موبايلاتهم تاني...
بس المرة دي ما كانوش بيصوروا علشان يضحكوا...
كانوا بيسجلوا لحظة سقوط.
أمي قربت من الملف...
كأنها عايزة تمسح الكلام المكتوب بإيديها.
وبصت لأبويا وقالت:
"إنت... كنت عارف؟"
سكت شوية...
ولما رد، كان صوته متعب وكأنه شايل حمل سنين.
"أيوه... كنت عارف مين اللي دفع تمن البيت."
ضحكت فاطمة ضحكة مكسورة.
"لأ... لأ... إنت قولتلي إن الموضوع هيتحل بعدين!"
بصيت لأبويا وقتها...
وفهمت حاجة كان نفسي أفهمها من زمان.
إن سكوت الرجالة في العيلة...
هو اللي خلّى أمي وفاطمة يتحكموا في الكل من غير حدود.
هو عمره ما كان بيزعق...
ولا كان بيمد إيده...
بس كان بيسيبهم ينهشوا فيا وأنا عايشة...
لأن السكوت كان أريح بالنسبة له.
رجع المحامي سامي يتكلم وقال:
"بسبب الاعتداء اللي حصل على الطفلة، ومخالفة شروط العقد، فقد طلبت الأستاذة سارة إلغاء حفل الافتتاح فورًا، وكمان إيقاف حق استخدام العقار مؤقتًا، سواء للسكن أو لأي مناسبات، لحد ما يتم الانتهاء من الإجراءات القانونية."
صرخت
بس المرة دي صوتها ما كانش صوت واحدة قوية...
كان صوت واحدة مرعوبة.
"إنتِ ما تقدريش تعملي فينا كده!"
رفعت عيني وبصيتلها مباشرة... دون ما أرمش.
قلت وأنا ببصلها في عيني من غير ما أتهز:
"لأ... اللي مقدرش أعمله هو إني أسيب بنتي تكبر وهي فاكرة إن الضرب والإهانة حاجة لازم تستحملها... علشان العيلة تفضل محتفظة بقصر."
في اللحظة دي...
فاطمة قربت مني خطوة.
وعينيها كانت مليانة خوف... خوف وسخ، أول مرة أشوفه فيها.
قالت بصوت مهزوز:
"لو لغيتي العقد... إنتِ هتدمريني."
أبويا غمض عينيه كام ثانية...
وبعدين قال بصوت واطي:
"إنتِ أصلاً اتدمرتي."
كلنا بصينا له.
رفع راسه بصعوبة، وقال وصوته بيتكسر:
"فاطمة استخدمت اسم البيت علشان تستلف فلوس. مضت وعود استثمار، وعملت حفل إعادة الافتتاح ده علشان تقنع الدائنين إنها هي اللي مسيطرة على القصر... وكمان زورت تصريح رسمي."
حسيت مريم شدت على إيدي أكتر.
أما فاطمة...
فوشها بقى أبيض لدرجة إني افتكرتها هتقع من طولها.
صرخت:
"بابا... اسكت!"
لكن المرة دي...
ما قدرش يسكت.
بص لها وقال:
"الإمضاء اللي زورتيها... ما كانتش إمضتي أنا."
سكت لحظة...
وبعدين قال الجملة اللي قلبت الدنيا كلها:
"كانت إمضة سارة."
كلمة "زورتي" فضلت معلقة في القاعة...
زي جرس محدش قادر يوقف صوته.
فاطمة بصت لأبويا بغضب طفولي...
كأنها شايفة إنه خانها لمجرد إنه قال الحقيقة اللي فضل مخبيها شهور.
أمي مسكت ضهر الكرسي علشان تعرف تقف.
أما أنا...
فما حسيتش بأي انتصار.
اللي حسيت بيه كان تعب...
تعب قديم.
كأن عمري كله كان سلسلة طويلة من المواقف اللي حد فيها كان بياخد حقي، وأنا كل مرة أسأل نفسي: هو يستاهل إني أدافع عنه ولا أسيبه؟
قالت
"إنتوا مش فاهمين أي حاجة! أنا عملت كل ده علشان مصلحتنا كلنا. لو ما كنتش جبت الفلوس دي، الدائنين كانوا هييجوا على أمي، وعلى بابا، وعلى آخر حاجة فاضلة من اسم عيلة منصور."
هزيت راسي وقلت بهدوء:
"لأ يا فاطمة... إنتِ عملتي كل ده علشان تكملي تمثلي دور البطلة... بفلوس غيرك."
كان الموثق وقتها بيراجع كل الأوراق.
والمحامي سامي أكد الحاجة اللي أنا بدأت أشك فيها من أسابيع...
من يوم ما وصل إشعار غريب من البنك لإحدى شركاتي.
فاطمة كانت استخدمت توقيع مزور...