دخل المكتب

لمحة نيوز

رجل أعمال دخل مكتبه الصبح، فلقى طفلين توأم نايمين على كرسيه لكن الورقة اللي كانت جنبهم هي اللي ډمرت حياته المثالية.
أول حاجة شفتها وأنا داخل مكتبي الصبح
ماكانتش ناطحات السحاب اللي ماليه شباك المكتب.
ولا التقارير اللي كانت مستنياني.
ولا حتى سكرتيرتي وهي ماشية ورايا بالتابلت.
أول حاجة شفتها
كانت طفلين توأم نايمين على كرسيي.
كرسيي أنا.
كانوا متكورين جنب بعض على الكرسي الجلد الأسود، كأنهم بيستخبوا من الدنيا.
واحد حاطط راسه على كتف التاني.
ورجلينهم الصغيرين مش واصلين للأرض.
وقفت مكاني.
مش قادر أتحرك.
اسمي كريم المنشاوي.
وعندي 38 سنة.
وبنيت واحدة من أكبر شركات الاستثمار في مصر.
مكتبي في آخر دور.
كل حاجة فيه كانت زي ما بحبها.
مفيش صور عيلة.
ولا نباتات.
ولا أي حاجة فيها مشاعر.
بس زجاج.
وخشب.
وجلد.
وصمت.
لكن النهارده
كان فيه طفلين نايمين على كرسيي.
كان عندهم حوالي أربع سنين.
واحد لابس سويت شيرت أزرق عليه ديناصور.
والتاني هودي أحمر مقطوع من الكم.
شعرهم أشقر فاتح.
ووشوشهم بريئة.
لكن اللي خلاني أتجمد
إن ملامحهم كانت شبه حد أعرفه.
خدت خطوة.
وبعدين خطوة تانية.
وقلبي بدأ يدق بسرعة.
نفس شكل الحواجب.
نفس المناخير.
وحتى ودانهم المدببة شوية
نفس وداني.
الحاجة اللي أبويا كان دايمًا يكرهها فيا.
فجأة
واحد منهم فتح عينيه.
لونها أزرق فاتح.
نفس لون عيني بالظبط.
حسيت ريقي نشف.
بصيت على مكتبي.
كان فيه ورقة مطوية.
مسكتها بإيد بتترعش.
وكان مكتوب فيها بخط مهزوز
خلي بالك

منهم مالهمش غيرك.
بس.
لا اسم.
ولا تفسير.
ولا أي حاجة.
في اللحظة دي
باب المكتب اتفتح.
دخلت السكرتيرة منى وهي بتجري.
وقالت
يا فندم آسفة جدًا.
الأمن لقاهم قدام الشركة قبل الفجر.
لوحدهم.
معاهمش غير الشنطة الصغيرة دي.
وواحد منهم كان بيسأل عليك بالاسم.
ما بصتلهاش.
قلت
مين طلعهم هنا؟
قالت
الأمن ماعرفوش يعملوا إيه.
قلت
كلمتوا حماية الطفل؟
سكتت.
قلت بسرعة
لسه لأ.
استغربت.
قلت
هاتي لهم فطار.
قالت
فطار؟
قلت
أي حاجة الأطفال بيحبوها.
بعد شوية
رجعت بفطير.
وفاكهة.
ولبن.
وعصير.
والطفلين بدأوا ياكلوا.
لكن بطريقة غريبة.
كانوا بياكلوا ببطء
كأنهم خايفين الأكل يخلص.
فضلت أبص عليهم.
كل حركة
كانت بتفكرني بنفسي وأنا صغير.
بعد شوية قلت
فين مامتكم؟
الاتنين وقفوا أكل.
بصوا لبعض.
وبعدين الولد الأكبر قال بصوت واطي
ماما قالت
لو مرجعتش
نيجي ندور عليك.
حسيت المكتب كله برد.
قلت
اسم مامتكم إيه؟
فتح الشنطة الصغيرة.
وطلع سلسلة فضة قديمة.
أول ما شفتها
عرفتها.
قبل حتى ما يفتحها.
فتحها.
كان جواها صورة.
صورة ليا
من خمس سنين.
واقف جنب ريم.
البنت الوحيدة اللي حبيتها بجد.
واللي سبتها
علشان كنت فاكر إن الشغل أهم.
رفع عينه ناحيتي.
وقال بمنتهى البراءة
ماما قالت إنك بابانا.
في اللحظة دي
حسيت نفسي مش قادر أتنفس.
وقبل حتى ما أستوعب اللي سمعته
منى دخلت المكتب تاني.
وشها كان أصفر.
وقالت وهي بتترعش
يا أستاذ كريم
الأمن لقى ډم على باب الشركة.
اتجمدت مكاني.
وبصيت للطفلين.
وسألت نفسي سؤال واحد
ريم
بعتت ولادي ليا لوحدهم ليه؟ وكانت بتهرب من مين لدرجة إنها فضلت تسيبهم عند راجل سابها من خمس سنين، على إنها تخليهم معاها؟ 
مسكت السلسلة بإيدي اللي بترتعش، والصورة القديمة كانت كأنها بتعيد الزمن لورا خمس سنين بالظبط يوم ما اخترت الشركة والنجاح وقلت لها ببرود مش وقت علاقات دلوقتي إنتِ هتفهمي. وكنت فاكر إنها هتستنى، لحد ما سمعت إنها سافرت ومحدش يعرف طريقها.
سألتهم بصوت هادي ومتثاقل
مين كان مع ماما في الطريق؟ وإيه اللي حصل؟
الولد الصغير
 


في الهدي الأحمر مسك إيد أخيه وقال بصوت خاڤت
كان في رجالة بتجري ورانا ماما قالت اجروا لحد بيت كريم المنشاوي هو بس اللي يحميكم. ودفعتنا من الباب وسكرته ورانا.
ساعتها رن جرس الإنذار في دماغي فورًا. أمرت الأمن يتأكد من كل كاميرا في الشارع والمداخل، وبعثت فريق خاص للمكان اللي كانوا جايين منه. وفي نفس الوقت جابوا تقرير عن البقع اللي لقوها عند الباب ډم حديث، ومسار واضح بيوحي إنها كانت ماشية بسرعة ومچروحة بس حاولت تحميهم لآخر نفس.
بعد ساعات قليلة، وصلت أول رسالة
وجدنا شقة صغيرة في الحي القديم فيها أوراق، وصور، وملفات، ومحاولة اقټحام من باب الشارع الخلفي.
رحت هناك بنفسي واخدتهم معايا خليتهم ينتظروا في العربية، ودخلت لوحدي. كانت كل حاجة صغيرة وبسيطة، لكنها مليانة تفاصيل عنهم ملابسهم، ألعابهم، ودفاتر صغيرة كانت بتكتب فيها يومياتها. ووجدت ملفًا مخفيًا تحت الأرضية كتبت عليه اسمي بالكامل.
فتحته وبدأت أقرأ
عرفت من

زمان إنك هتكبر وتنجح وتبقى بعيد بس ما نسيتك ولا يوم. وكل ما كنت ببص للطفلين، كنت بشوفك واشوف الحب اللي ما قدرناه نكمله. لكن جيت الأيام اللي خاڤت فيها عليهم أكتر من أي حاجة فيه ناس بتطلب مني أوراق وبيانات تخصك، وتهددني إنهم ياخدوهم مني لو ما سلمتها. عرفت إنهم هيوصلوا ليا قريب فما كان عندي خيار إلا أبعتهم ليك للي هو الأمان الوحيد اللي عرفته في الدنيا.
في اللحظة دي عرفت كل شيء إن ريم لم تبتعد باختيارها بل كانت بتخفي نفسها وبتحمي سرًا كان ممكن يضرني وبيضرهم وإن اللي كانوا وراها هم نفس الأشخاص اللي كنت بدأت أكتشف إنهم بيلعبوا بأوراق ملوثة داخل شركتي من فترة.
رجعت للعربية واخدتهم في حضڼي أول مرة وحسيت إن قلبي اللي كنت عامله زي الحجر طوال السنين، اتفتح فجأة واتملأ بالدموع والندم والشعور بالمسؤولية اللي ما شعرت به من قبل.
وبدأت الحركة بسرعة
أغلقت كل الثغرات في الشركة
سلمت الملفات والأدلة كاملة للنيابة
تم تتبع كل من كان يلاحقها واعتقالهم فورًا
وبدأت رحلة البحث عنها بجدية، بكل إمكانياتي وعلاقاتي، لحد ما عرفنا مكانها الحقيقي في مستشفى صغير على أطراف المدينة كانت مچروحة لكنها حية، مختبئة بذكاء لحد ما تتأكد إنهم وصلوا ليا بأمان.
ولما التقينا أخيرًا بعد خمس سنين، وبيننا التلاتة هي وأنا والطفلين اللي كانوا بداية ونهاية كل شيء عرفت إن النجاح اللي كنت ببنائه بلا مشاعر، كان مجرد جدران زجاجية فارغة. وإن الحقيقة والدفء والعيلة هي اللي بتعطي الحياة معناها.
ومن
ذلك اليوم، اختفت الصور الفارغة والجدران الصامتة من المكتب وظهرت مكانها صور كتيرة لهم، ولنا، وللقصة اللي بدأت بطفلين على كرسي، وانتهت بنا عيلة متكاملة ومحمية.
تمت

تم نسخ الرابط