بنتي عندها متلازمة داون حكـايات مني السيد
بعد اليوم ده، الأحداث بدأت تتسارع بشكل ما كنتش متخيلاه. القضية بقت قضية رأي عام، والإعلام والمواقع بدأت تتكلم عن "ذئب الملاهي" وعن براءة الأساور الورقية اللي كشفت المستور. لكن وسط كل الزيطة دي، وعناوين الأخبار، والمحاكمات، كان فيه عالم تاني خالص جوه بيتنا الصغير في المنصورة... عالم ملهوش دعوة بالقوانين ولا النيابة، عالم فيه أم مطحونة بين نسيج من المشاعر المتضاربة، وبنت عندها داون كل همها في الدنيا إنها تسألني كل يوم الصبح: "البيبي كبر قد إيه النهاردة يا ماما؟"
القرار الطبي والشرعي بخصوص الحمل كان هو العقبة الأكبر والأصعب في حياتي. أختي والمقربين مني كانوا لسه بيضغطوا عشان الإچهاض، لكن الأطباء بعد الفحوصات الشاملة وتشكيل لجنة طبية متخصصة من أطباء النساء والنفسية والوراثة، بلغوني بتقرير حسم الأمر: الحمل كان في مرحلة متقدمة جدًا، والرحم والوضع الصحي لرحمة يخلي عملية الإچهاض في الوقت ده فيها خطۏرة جَسيمة على حياتها هي شخصيًا، غير إن التقرير النفسي أكد إن سلب الجنين منها بالقوة في المرحلة دي ممكن يسبب لها انتكاسة نفسية حادة، لأن عقليتها وبراءتها استوعبت الكائن ده كأنه "لعبة" أو "هدية" بتهتم بيها.
قعدت مع نفسي في الليلة دي، ومسكت إيد رحمة وهي نايمة. كنت بفرك في أهدابها الناعمة وبقول لنفسي: "يا رب... أنت اللي كتبت عليها الحمل ده، وأنت الوحيد اللي عالم بضعفها وبضعفي... دلني على الطريق." قررت وقتها إن صحة رحمة وحياتها ونفسيتها هم أضخم خط أحمر في حياتي، وما فيش رأي لأي بني آدم على وجه الأرض يهم : أنا هكون ضهرها، وسندها،
مرت الشهور، وكانت أسرع وأبطأ شهور مرت عليا في العمر.
بطن رحمة بدأت تكبر وتدور بشكل واضح. وبدل ما كانت تنزل المدرسة أو الجلسات، بقيت أجيب لها الأخصائية في البيت، وبقيت أخد إجازة مفتوحة من شغلي الإداري بدون مرتب عشان أفرغ كل ثانية من يومي ليها. رحمة كانت عايشة حالة غريبة من الفرح البسيط؛ بقيت أصحى على صوتها وهي قاعدة قدام المراية، ترفع البلوزة وتسلم على بطنها: "صباح الخير يا بيبي... أنا رحمة، أمك. يلا عشان نشرب اللبن."
كنت بقعد في الصالة وأبص لها والدموع محپوسة في عيني. إحساس يعصر القلب... خليط من القهر على طريقة الحمل والچريمة اللي اتعملت في حق طفولتها، وبين الذهول من كمية السلام والمحبة اللي طالعة من البنت دي تجاه طفل ملوش أي ذنب في القذارة اللي اتولد منها.
في الوقت ده، جلسات المحاكمة كانت شغالّة على قدم وساق. المتهم حاول عن طريق محاميه يلعب على نقطة "إن المجني عليها من ذوي الهمم وغير مدركة وبالتالي شهادتها چرحية ولا يُعتد بيها"، لكن محامينا، مع أخصائيين النفسية وتقرير الطب الشرعي وبصمة الـ DNA اللي جزمّت بنسبة 99.9% إن الجنين منه، قفلوا كل الأبواب في وشه.
اليوم اللي القاضي نطق فيه بالحكم، كنت قاعدة في القاعة ومسكة في إيد أختي اللي أخيرًا اعتذرتلي وجت وقفت جنبي. لما القاضي ضړب بالشاكوش على الطاولة ونطق بالحكم: **"السچن المشدد لمدة 15 سنة"**، حسيت إن جبل كان فوق صدري وانزاح. بصيت للراجل وهو بيتساق بالكلبشات وشه في الأرض... ما حسيتش بالشماتة، حسيت بس إن العدل المادي أخيرًا
خرجت من المحكمة على المصحة الطبية بالمنصورة، لأن وقت الولادة كان قرب جداً.
في الشهر التاسع، دخلت رحمة غرفة العمليات لقيصرية مُحددة مسبقًا عشان تفادي أي مضاعفات. قعدت بره في الممر، أفرك في إيديا وأدعي. كانت أطول ساعة في حياتي. كل لحظة كانت بتفوت عليا كأنها سنة. لحد ما سمعت أخيرًا صړخة طفل
وصافية اخترقت هدوء الممر...
طلعت الدكتورة وبابتسامة تعب قالتلي: "مبروك يا مدام منى... بنتك جابت بنوتة زي الفل، ورحمة بخير وحالتها مستقرة تمامًا."
دموعي نزلت من غير ما أحس. دخلت الأوضة بعد ما رحمة فاقت من البنج. كانت عينيها زايغة وبتدور عليا، وأول ما شافتني قالت بضعف وسخونية: "ماما... فين البيبي؟ جِه؟"
الممرضة جابت البنوتة الصغنونة الملفوفة بلفافة بيضا، وحطتها في حضڼ رحمة.
اللحظة دي... ورب العرش، اللحظة دي غيرت نظرتي للوجود كله.
رحمة بصت للبنت الصغيرة... عينيها الدموع غرقتها، بس كانت ابتسامتها أصفى وأجمل ابتسامة شفتها في حياتي. رفعت إيدها بالراحة خالص، وحطت صباعها الصغير في كف المولدودة اللي قفلت عليه بغريزة الفطرة. رحمة بصتلي وقالت بصوت بيهز الروح: "ماما... دي صغنطوطة أوي... زي العروسة القماش بتاعتي بس بتتنفس! بصي يا ماما... بتضحكلي."
سميناها "فريدة".
فريدة اتولدت كاملة النمو، معافاة، ومشا شاء الله ما حملتش سِمات متلازمة داون ولا أي مشاكل وراثية. اتولدت ونورت بيتنا الصغير بشكل ما حدش كان يتخيل إن ممكن يخرج من الرحم ده والمأساة دي كل الضوء
مرت الأيام والسنوات بعد الولادة...
رحمة كبرت، وفريدة كبرت معاها. البيت اللي كان دايماً خيم عليه الهدوء والحزن بعد ما جوزي سابنا زمان، بقى مليان حركة وضحك وشقاوة. ورحمة؟ رحمة أثبتت لكل الدكاترة والأخصائيين إن الفطرة الإنسانية للأمومة أقوى من أي معدل ذكاء وأعلى من أي تقرير طبي.
بعلمها وبساعدها في كل خطوة؛ أنا الأم الكبيرة، ورحمة الأم الصغيرة. رحمة كانت هي اللي بتسهر معاها لما تسخن، تخبي ألعابها عشان تديها لفريدة، وتقعد تعمل لها ظفائر في شعرها وهي بتغني نفس الأغنية الطفولية القديمة.
النهاردة... فريدة عندها سنة ونص، بتجري في الصالة وبتردد كلمة "ماما" وهي بتجري ورا رحمة، ورحمة بتجري وراها بضحكتها الرنانة اللي بترد الروح في البيت.
أوقات كتير بالليل، لما البيت يهدى والكل ينام، بقعد في الصالة وبطلع من درجي العلبة الصفيح القديمة. بفتحها وأبص للإسورة الورق المتنية... الإسورة الملونة اللي كانت بتاعة الملاهي.
الإسورة دي كانت رمز للغدر والظلم والإساءة لقلب بريء ملوش ذنب... لكن ربنا سبحانه وتعالى بحكمته ورحمته، قدر يقلب ألم الإسورة دي للسبب اللي جاب لنا "فريدة"، وللسبب اللي كشف مچرم ورفع عن أطفال كتير شره، وللسبب اللي خلاني أعرف إن بنتي رحمة مش بس بنت بمتلازمة داون... دي أطهر وأعظم أم شفتها في حياتي.
بصيت لرحمة وهي نايمة وفي حضنها فريدة الصغيرة، وعروستها القماش القديمة مرمية جنبهم على السرير، وحسيت برضا غريب مالي قلبي. قربت منهم، غطيتهم بالراحة، وبست راس رحمة ووهست في أذنها: "أنتِ مش بس ورحمة يا حبيبتي... أنتِ رحمة