طلب غريب من زوجي
ولما شفت اللي جواه، اتجمدت مكاني...
كان الحمام مش مجرد مكان للنظافة الشخصية، كان أشبه بمتحف مصغر أو معمل تحاليل يفيض بكل أنواع وماركات الصابون والشامبوات ومزيلات العرق والزيوت العطرية، ولكن الغريب والمفزع لم يكن كثرة المنظفات، بل كان وجود رف كامل ممتلئ بزجاجات عطرية مخصصة ومصنعة يدويًا، تحمل كلها ملصقات مكتوبًا عليها اسمًا واحدًا بخط اليد ريحة رانيا. في تلك اللحظة، شعرت برعدة تسري في جسدي كتيار كهربائي، وسقطت كل الشكوك التي راودتني لشهور طويلة على أرضية السيراميك الباردة، لتعلن بداية انكشاف حقيقة مرعبة لم تكن لتخطر لي على بال، حقيقة أنني لم أكن يُطلب مني الغسيل والاستحمام طوال تلك الأشهر لأنني غير نظيفة، بل لأنني لم أكن أمتلك الرائحة الصحيحة التي يبحث عنها هذا الرجل ووالدته، الرائحة التي تخص امرأة أخرى رحلت أو اختفت من حياتهما وتركت أثرًا لا يُمحى في ذاكرتهما المړضية.
منذ اللحظة الأولى التي التقيت فيها ب شريف، كانت حياتي تسير بطريقة أشبه بالأحلام، كان الشخص الذي حلمت به دائمًا، حنونًا، متفهمًا، ويُشعرني بأنني ملكت العالم بحبه، كنا نبتسم لنفس الأشياء، ونفكر بالطريقة ذاتها، ولأول مرة في حياتي شعرت أن المستقبلي لم يعد غامضًا، بل أصبح واضحًا ومستقرًا برفقة إنسان يبدو أنه يفهم كل تفاصيلي. ولكن هذا الهدوء اللذيذ لم يدُم طويلاً،
لم أكن أريد خسارته، فبدأت بالفعل أطبق ما طلبه بدقة متناهية، أصحو صباحًا لاستحم، وأكرر العملية ليلاً، غيرت جميع المساحيق، واشتريت أنواعًا باهظة من الصابون ومزيلات العرق، وحين لم أجد أي تغيير في طريقة كلامه أو نظراته التقييمية لي، ذهبت إلى الأطباء وقمت بإجراء تحاليل شاملة للجلد والغدد لعل هناك خللاً لا أعلمه، لكن الأطباء أكدوا جميعًا أنني بصحة ممتازة ولا يوجد أي شيء غير طبيعي. ورغم كل هذا المجهود، كان يكرر ملحوظاته بطريقة غير مباشرة، يشم الهواء حين يجلس بجانبي، أو يبتعد قليلاً وهو يبتسم ابتسامة باهتة تُشعرني بالذنب والقصور، حتى أصبحت أعيش في كابوس يومي، وأبكي ليلًا قبل النوم وأنا أسأل نفسي ما الذي
أفعله خطأ؟
حين جاء اليوم الذي دعاني فيه لمقابلة والدته في منزلهم لأول مرة، كنت مصممة على أن أكون في أبهى صورة، استحممت مرتين في ذلك اليوم، واخترت ملابسي بعناية فائقة، وعطرت نفسي بأهدأ العطور، ووقفت أمام المرآة أراجع كل تفصيلة حتى أطمئن تمامًا. وعندما فتحت والدته الباب، استقبلتني بابتسامة غامضة، وبصرتني من رأسي إلى قدمي بنظرة تفحصية حادة، وقبل أن أستقر في جلستي، قالت لي بنبرة هادئة ولكنها تحمل أمرًا خفيًا يا حبيبتي، الطريق كان طويل والجو حر، روحي انعشي نفسك شوية في الحمام قبل ما نقعد ناكل. شعرت وقتها بصڤعة معنوية مؤلمة، وكأن كل محاولاتي ذهبت أدراج الرياح، ودخلت الحمام وأنا أداري دموعي، لأتفاجأ بتلك المنظفات وتلك الزجاجات التي تحمل اسم رانيا.
وقفت في الحمام أتنفس بصعوبة، وأقرأ الكلمات المكتوبة على الزجاجات خلطة رانيا الصباحية، عطر رانيا المفضل، مستحضر رانيا الخاص. رانيا لم تكن مجرد اسم، كانت طيفًا يطارد هذا البيت، وعندما خرجت من الحمام، حاولت أن أتظاهر بالهدوء، لكن عيني كانت تتنقل بين شريف ووالدته، اللذين كانا يتبادلان نظرات خاطفة ومريبة. في تلك الليلة، وعلى مائدة الطعام، بدأت الأم تتحدث عن رانيا وكأنها حاضرة معنا، كانت تقارن بين كل حركة أقوم بها وبين ما كانت تفعله رانيا، وشريف يكتفي بالابتسام وموافقتها
عدت إلى بيتي في تلك الليلة وجسدي يرتجف، وقررت ألا أسكت، مواجهة شريف كانت حتمية. في اليوم التالي طلبت مقابلته في مكان عام، ومسكت بالحديث فور جلوسنا، وسألته مباشرة من هي رانيا؟ ولماذا تحاول أن تجعلني نسخة منها برائحتها وعاداتها؟. شحب وجهه لبرهة، ثم تحولت ملامحه من الهدوء إلى التوتر الشديد، وقالي بنبرة ارتباك غريبة رانيا كانت خطيبتي السابقة، وتوفت في حاډثة من سنتين.. وأنتي شبهها في حاجات كتير، بس ريحتها كانت مختلفة، أمي وأنا كنا حاسين إنك لو غيرتي عاداتك هتبقى زيها تمامًا، ونقدر نعيش مع ذكراها من خلالك.
سقطت كلماته عليّ كالصخرة، أدركت حينها أن الحب الذي غمرني به لم يكن موجهًا لي على الإطلاق، بل كان موجهًا لطيف امرأة مېتة، وأن كل الألم الإحراج اللذين عانيت منهما لشهور لم يكونا بسبب عيب فيّ، بل بسبب مرض نفسي وسيطرة مرضية من والدته التي لم تتقبل خسران خطيبة ابنها الراحلة، فأرادت تحويلي إلى شمعة تحترق لتطرد ظلام فقدهما. نسيت كل مشاعري تجاهه في تلك اللحظة، وشعرت بقوة غريبة تتملكني، فنظرت إليه ببرود وقدمت له خاتم الخطبة، وقلت له بثبات أنا إنسانة ملموسة وليا كياني وريحتي وهويتي الخاصة، ومش هكون في يوم
من الأيام