طلبت فتاه
أن نصبح مدينين.
لا نحتاج إلى أفضال من أحد.
غادر.
لكن بعد ثلاثة أيام سقطت أمي أرضا في مكان عملها.
جسدها لم يعد يحتمل.
نقلت إلى المستشفى العام.
كنت أجلس على الكرسي البلاستيكي في الممر البارد ويدي ترتجفان لا أعرف ماذا أفعل.
تذكرت الرقم.
اتصلت.
لم يسأل لماذا.
لم يقل ألم أحذرك
لم يذكرنا برفضنا له قبل أيام.
وصل ببساطة وكأن حضوره أمر طبيعي.
دخل المستشفى بخطوات ثابتة لا تحمل استعراضا ولا منة.
توجه إلى مكتب الاستقبال ثم إلى الطبيب المناوب وطلب أن يشرحوا له الحالة بالتفصيل.
تحدث مع الطبيب طويلا.
استمع باهتمام حقيقي لا مجاملة فيه.
كان يسأل بهدوء ويعيد السؤال إن لم يفهم كأن الأمر يخصه منذ البداية.
قال الطبيب بوضوح بعد أن أغلق الملف
إنها مرهقة إلى حد خطېر. الضغط
كنت أراقب وجه أليخاندرو وهو يستمع.
لم يتغير كثيرا لكن عينيه أصبحتا أكثر جدية.
وكأن القرار اتخذ في داخله قبل أن ينطق به.
عندما خرجنا إلى الممر جلسنا على المقاعد البلاستيكية الزرقاء
حيث تتداخل رائحة المطهرات مع القلق.
عندها الټفت إليها وقال بهدوء
لدي عرض لك.
نظرت إليه أمي بحذر.
عرض ماذا
عمل. في شركتي. وظيفة حقيقية. براتب مناسب. بساعات ثابتة. وتأمين صحي كامل.
سكتت لحظة.
كانت الكلمات ثقيلة عليها كأنها لا تريد أن تصدقها.
رفضت في البداية.
ليس عنادا بل خوفا.
كان الخۏف من الدين أكبر من الخۏف من المړض.
كبرت وهي تؤمن أن من يأخذ يظل مدينا.
لا أريد
أن أكون مدينة لأحد.
ابتسم ابتسامة خفيفة خالية من
لن تكوني مدينة. هذا ليس معروفا. إنه عرض عمل. ثلاثة أشهر تجربة. إن لم يعجبك الوضع تنتهين بلا التزام.
نظرت إليه طويلا.
ثم نظرت إلي.
ثم إلى ماتيو النائم.
وافقت.
منذ اليوم الأول دخلت أمي الشركة كما تدخل أي مكان برأس مرفوع.
لم تكن معتادة على المكاتب الواسعة ولا على القاعات الزجاجية ولا على الاجتماعات التي تدار بالأرقام والجداول.
لكنها كانت معتادة على النظام.
على الاجتهاد.
على أن تفعل الشيء كما يجب.
نظمت الملفات التي كانت مبعثرة كما لو أنها ترتب فوضى سنوات كاملة لا أوراقا فحسب.
جلست في الأسبوع الأول ساعات إضافية تقرأ وتراجع وتدون ملاحظاتها في دفتر صغير تحمله معها.
لم تتصرف كموظفة جديدة تخشى أن تخطئ بل كامرأة اعتادت أن تتحمل المسؤولية حتى لو لم
أنشأت نظام أرشفة واضحا لا يعتمد على الذاكرة ولا على المزاج بل على ترتيب دقيق يجعل أي
ملف يستخرج في دقائق.
اقترحت تحسينات في أسلوب توزيع المهام فخف الضغط عن بعض الأقسام وانتظم العمل في أخرى.
راجعت العقود القديمة فاكتشفت بنودا تهدر المال دون انتباه.
قللت الهدر.
رفعت الإنتاجية.
وجعلت الموظفين يشعرون أن هناك من يرى التفاصيل الصغيرة التي يتجاهلها الجميع.
لم تكن تغييرات صاخبة.
لم تعقد اجتماعات استعراضية ولم تتباه بما تفعل.
كانت تغييرات هادئة لكنها فعالة.
كالماء الذي ينحت الصخر بصمت.
شيئا فشيئا بدأ الموظفون يحترمونها.
في البداية كانوا ينادونها بتحفظ ويتبادلون النظرات خلف ظهرها.
لكن حين لمسوا النتائج تغير الصوت وتغيرت النظرة.
لم يكن احترامهم لأنها
ولا لأنها قريبة منه
بل لأنها تستحق.