الجرّاحة المُقَنَّعة
عمري ما قلت لحماتي إني أشطر جرّاحة قلب في البلد. سيبتها على راحتها، وهي مقتنعة إني مجرد عاملة نضافة في مستشفى. كانت دايمًا تقولها قدام الناس وهي بتضحك ابني اتجوز واحدة بسيطة بتكنس في المستشفى. أهو ثواب وخير.
ومش بس كده كانت ترفض ألمس الأكل، وتبعد الصينية من إيدي كأني مرض معدي. إنتِ مليانة ميكروبات، كانت تقولها وهي مكشرة، وأنا ساكتة مش ضعف، لا صبر.
الحقيقة إن كريم، جوزي، كان عارف شغلي الحقيقي في الأول. قلت له من أول يوم في الخطوبة أنا دكتورة جراحة قلب، وشغلي مهم جدًا بالنسبي ليا. بص لي وقتها وقال طبعًا يا حبيبتي، أنا فخور بيكِ. لكن الكلام ده ما وصلش لأمه أبدًا. ولما حاولت أفهم ليه، لقيته بيتحجج أمي تقليدية، هتتعقد لو عرفت إن مراتي أنجح مني. سيبيها تفتكر إنك موظفة بسيطة، أحسن.
وأنا، في لحظة ضعف، أو يمكن في لحظة حب أعمى، وافقت.
كنت بصحى الفجر، ألبس البالطو الأبيض، أمسك شنطة الأدوات الجراحية، وأطلع من البيت بهدوء. كنت بقول لحماتي إني رايحة شغل النضافة الصبحية. وهي كانت بتبصلي باستعلاء، وتقول ربنا يعينك. الشغل ده متعب، بس إنتِ معندكيش غيره.
طب تعرفوا كنت بعمل إيه في الوقت ده؟
كنت بدخل غرفة العمليات، بشد شعري تحت الكاب الأخضر،
وبعدين أرجع البيت، ألاقي حماتي مستنياني عشان تقول لصحباتها وهي بتضحك دي جات دلوقتي من المستشفى. شكلها كانت بتنضف عنابر كتير.
وكنت بضحك معاها، رغم الۏجع اللي جوايا.
في يوم من الأيام، قبل الحاډثة بشهر، حصلت موقف ما نسيتوش.
كانت حماتي عاملة عزومة كبيرة، وجابت ستات العيلة كلها. أنا كنت في المطبخ، بحضّر الشاي والقهوة، لما سمعتها بتحكي بصوت عالي في الصالون.
أصل يا بنات، أنا كنت نفسي ابني يتجوز دكتورة أو مهندسة، حد محترم يعني. بس هو أصرّ على البنت دي. قلت ماشي، يمكن تكون كويسة في بيتها. طلعت عادية جدًا. شغلها في المستشفى، آه، بس مش زي ما حد يتخيل.
واحدة من الستات سألتها يعني إيه مش زي ما حد يتخيل؟
ضحكت حماتي ضحكة فيها استهزاء. يعني بتكنس وتنضف. مش دكتورة ولا حاجة. بس الحمد لله، البنت مؤدبة وساكتة، وبتعمل اللي أنا عايزاه.
الصينية كانت في إيدي، وكانت بترعش. حسيت پغضب بيغلي جوايا، لكني بلعت الموضوع، ودخلت بالصينية وأنا مبتسمة.
اتفضلوا
واحدة منهم بصتلي بشفقة، وقالت تعبتي عليكِ يا بنتي. ربنا يعينك.
ردّيت بهدوء الحمد لله، أنا مبسوطة بشغلي.
حماتي قالت بسخرية أيوه، هي بتحب شغلها أوي. مش كده يا ليلى؟
بصيتلها، وقلت بنبرة هادية لكن
فيها حاجة مختلفة أيوه يا حاجة فاطمة. أنا فعلًا بحب شغلي جدًا. بحس إني بعمل حاجة مفيدة.
ما فهمتش المعنى الحقيقي للكلام. وأنا خرجت من الصالون وأنا حاسة بمرارة.
الليلة دي، كريم رجع من الشغل متأخر، ولقاني قاعدة في الأوضة بفكر.
إنتِ مالك يا ليلى؟ حصل حاجة؟
كريم، لحد إمتى هفضل ساكتة؟
قعد جنبي. ساكتة على إيه؟
على أمك. على الإهانة. على إني كل يوم بتحقر قدام الناس.
اتنهد. يا حبيبتي، إنتِ عارفة أمي، هي كده. بس قلبها طيب.
بصيتله باستغراب. قلبها طيب؟ يا كريم، هي بتقول لكل الناس إني عاملة نضافة، وإنت عارف كويس إني دكتورة جراحة! ليه ما بتقولهاش الحقيقة؟
عشان مش عايز مشاكل. لو عرفت، هتتعقد، هتحس إني اخترت واحدة أحسن منها، وهتبدأ تعمل جو مش مريح.
وقفت من مكاني. يعني راحتها أهم من كرامتي؟
سكت. والسكوت ده كان إجابة.
خرجت من الأوضة، ورحت أوضتي اللي كنت بذاكر فيها ملفات المرضى. قعدت على المكتب، فتحت ملف مريضة عندها ٥٨ سنة، حالتها حرجة،
وبعدها بأسابيع، جه يوم العزومة الكبيرة.
في يوم عزومة كبيرة، في بيت العيلة ناس، ضحك، أطباق، وكلام فاضي وحماتي قاعدة في الصدارة، بتوزع تعليقاتها السامة كعادتها. كانت بتحكي لواحدة من قرايبها أصل يا ختي، المراتي دلوقتي بقوا عايزين يطلعوا برّه يشتغلوا. أنا شايفة إن الست مكانها بيتها، بس ابني سابها تشتغل. الحمد لله الشغل بسيط، مش حاجة تشغلها عن بيتها.
أنا كنت واقفة في ركن، بسمع، وبحاول أتمالك نفسي. بصيت لكريم، لقيته مبتسم، بيتكلم مع ابن عمه، كأن مفيش حاجة غلط بتحصل.
وفجأة الكوباية وقعت من إيد حماتي. صوتها اتكسر قبل الزجاج وشها شحب، نفسها اتقطع، وإيدها شدت على صدرها.
وقعت.
الصالون اتقلب فوضى. ناس قامت، ناس رجعت ورا، وناس واقفة تتفرج. الخۏف مالي المكان، كأن المۏت ليه ريحة.
لحظة واحدة، كل حاجة وقفت في دماغي. صوت جوايا قال دي اللي كانت بتحقرك. دي اللي كانت بتهينك. ممكن تسيبيها.
لكن صوت تاني، أقوى، صوت القسم اللي أقسمته يوم ما لبست البالطو الأبيض لأول مرة، قال إنتِ طبيبة. إنتِ