الجرّاحة المُقَنَّعة

لمحة نيوز

أنا ما فكرتش كنت على الأرض في ثانية.
حد يكلم الإسعاف فورًا! اشتباه جلطة قلبية حادة! هاتوا أي جهاز صدمات لو موجود! أي حد عنده أسبرين، دلوقتي!
صوتي طلع ثابت، حاسم، كأني في غرفة العمليات. الصالة كلها سكتت. الستات اللي كانوا بيتريقوا عليّا قبلها بدقايق، بصولي باستغراب.
بدأت أعمل إنعاش قلبي. ضغطت على صدرها بإيقاع منتظم، عدّيت بصوت عالٍ واحد، اتنين، تلاتة كنت بحافظ على الضغط الصحيح، العمق الصحيح، السرعة الصحيحة. كل حاجة اتعلمتها
 في ٢٠ سنة طب، كانت شغالة أوتوماتيك.
النبض ضعيف بس موجود! فين الإسعاف؟!
كريم كان واقف مشلۏل، وشه شاحب، عينيه مفتوحة على الآخر.
الإسعاف وصلت بعد سبع دقايق سبع دقايق كنت فيهم أنا الفرق بين الحياة والمۏت. المسعف أول ما شافني اتجمد دكتورة ليلى؟! حضرتِك هنا؟!
ما بصتش له. نقل فوري لمستشفى النور. اشتباه جلطة حادة في الشريان التاجي الأمامي. حضّروا قسم القلب. أنا ماسكة الحالة.

حاضر يا دكتورة!
في مستشفى النور التخصصي، أول ما دخلنا، المستشفى كلها قامت على رجلها.
الدكتور شريف، مساعدي، كان واقف في الطوارئ. أول ما شافني قال دكتورة ليلى! الحالة إيه؟
ست، ٦٢ سنة، جلطة حادة. عملت لها CPR في الموقع لمدة سبع دقايق. النبض رجع بس ضعيف. محتاجة قسطرة فورية، ويمكن جراحة.
تمام. أنا هحضّر الفريق.
بصيت لكريم اللي كان ماشي ورايا زي المېت الحي. كريم، إنت تعرف تملا الأوراق؟
بص لي بذهول. إنتِ إنتِ فعلًا دكتورة.
مش وقته دلوقتي. روح املا الأوراق.
في الطوارئ، الحاجة فاطمة فتحت عينيها بالعافية.
كانت تحت تأثير المسكنات، لكن واعية بشكل جزئي. أول ما شافتني وأنا بمسك الملف وبراجع الأشعة، صړخت بصوت مبحوح
ابعدوها عني! دي مش دكتورة! دي بتاعة نضافة! ھټموټني!
الممرضات بصوا لبعض بقلق. أنا بصيت للحاجة فاطمة بنظرة هادية، باردة، مفيهاش شماتة ولا ڠضب.
يا حاجة فاطمة، إنتِ دلوقتي عندك جلطة في الشريان التاجي
الأمامي النازل. لو فضلتِ تتكلمي وتتحركي، الجلطة هتكبر والقلب هيقف. ساعتها مش هينفع أنقذك. فاختاري يا تسكتي وتسيبيني أشتغل، يا تفضلي تتكلمي وټموتي. القرار ليكِ.
خاڤت. سكتت فعلًا.
بصيت للفريق الطبي. جهزوا غرفة القسطرة. هعمل تصوير للشرايين، ولو لقينا انسداد كامل، هندخل جراحة مفتوحة فورًا.
القسطرة أظهرت الأسوأ.
الشريان التاجي الأمامي كان مسدود بنسبة ٩٥٪، والشريان الأيمن فيه تضيق خطېر. الصمام التاجي كمان كان متهالك. الحالة محتاجة تدخل جراحي فوري.
رجعت لكريم في صالة الانتظار. كان قاعد ودماغه في إيده، وحواليه العيلة كلها.
كريم.
قام بسرعة. إيه يا ليلى يعني يا دكتورة أمي عاملة إيه؟
حالتها حرجة. محتاجة عملية قلب مفتوح دلوقتي. هنعمل ترقيع للشرايين التاجية وتصليح للصمام التاجي. العملية معقدة، ونسبة النجاح حوالي ٧٥٪ في حالتها.
أخوه وليد وقف. ونسبة ال ٢٥٪ التانية؟
بصيتله بصدق. يا وليد، أنا مش هكدب عليكوا.
في احتمال إنها ما تقومش من العملية. لكن من غير العملية، فرصتها صفر. ھتموت في خلال ساعات.
حماها، أبو كريم، كان قاعد على كرسي، عينيه دامعة. بص لي وقال دكتورة ربنا يباركلك. إعملي اللي تقدري عليه.
إن شاء الله.
باب العمليات اتقفل. نور أبيض قاسې نزل على جسم الحاجة فاطمة.
لبست الجاون المعقم، الجوانتيات، شدّيت الكاب على راسي. وقفت قدام الطاولة، والمشرط في إيدي.
جاهزين؟
الفريق كله رد جاهزين يا دكتورة.
يلا بينا.
قطعت. فتحت القفص الصدري بدقة. القلب كان قدامي، بيدق بضعف، بيحاول يعيش. شفت الشريان المسدود، شفت الصمام المتهالك.
وساعتها، لحظة واحدة، فكرت.
ده
القلب اللي كان في صدر الست اللي حقرتني. الست اللي قالت عليّا جرثومة. الست اللي رفضت تاكل من إيدي. دلوقتي، حياتها كلها معلقة في إيدي دي. في الأصابع دي اللي هي كانت شايفاها مليانة ميكروبات.
لكن أنا مش زيها.
أنا طبيبة.
دكتور شريف، استعد للتطعيم. هناخد وريد
من الساق ونستخدمه في الترقيع.
حاضر يا دكتورة.

 

تم نسخ الرابط