بعـت دهـبي عشان فـرح اخـو جـوزي حكـايات منـي الـسـيد
اللي إنتِ عليه دلوقتي.
تليفوني رن، كان جدي. صوته كان دافي زي عادته
يا نيروز، البلد وحشتك؟
ابتسمت
البلد دايماً وحشاني يا جدي، بس البلد اللي في قلبي، مش اللي شفت فيها الوجع. أنا بقيت في مكان تاني، مكان بيحترم نيروز اللي بجد.
جدي ضحك
أهم حاجة تكوني مرتاحة يا بنتي. المهم، في ناس كتير هنا بتسأل عليكي، ومنهم ناس بدأت تطلب منك نصايح في حياتهم بعد ما شافوا اللي عملتيه.
أنا دايماً موجودة يا جدي، مش بس للناس اللي كانت بتعرفني، لكن لكل واحدة حاسة إنها مكسورة ومحتاجة إيد تتمد لها.
قفلنا التليفون، وبدأت أراجع تفاصيل كتابي اللي قررت أنشره. الكتاب ده بيحكي قصتي من غير تجميل، من غير خجل، بيحكي عن الوجع اللي ورا الدهب، وعن الكرامة اللي ما تتباعش. كان عنوانه خارج السرب، عشان فعلاً، أنا قررت أخرج من السرب اللي كان بيحاول يحدد هويتي ويحجمني.
في المساء، نزلت أتمشى في الشوارع الهادية. المكان هنا مختلف، الناس هنا بتمشي بابتسامات حقيقية، ما فيش نظرات استعلاء، ولا تمثيل. وأنا ماشية، قابلت واحدة من الستات اللي بيحضروا ورش العمل بتوعي. جريت
يا نيروز، بفضلك أنا خدت قرار إني أنفصل عن جوزي اللي كان بيذلني، والنهاردة أنا وأولادي بنبدأ حياة جديدة.
حسيت بدموع في عيني. الوجع اللي عشته ما راحش هدر، كان ثمن لإنقاذ حياة تانية. ال 1500 كلمة دول مش مجرد نهاية لقصة، دول بداية لألف قصة تانية، قصص ستات قرروا يقولوا لا لكل ما يقلل من شأنهم.
رجعت البيت، وقعدت قدام المرايا. بصيت لنفسي، شفت واحدة ست قوية، ملامحها مرسومة بالخبرة والذكاء، وعيونها بتلمع ببريق الأمل. ما بقتش نيروز الضعيفة، بقيت نيروز اللي بتبني عالمها الخاص.
فتحت مذكراتي، وبدأت أكتب الصفحة الأخيرة. كتبت الحياة مش فرح، ولا دبلة، ولا كلام ناس. الحياة هي اللحظة اللي بتعرف فيها مين إنت، وليه إنت موجود. أنا لقيت نفسي في طريق كان مليان بالأشواك، بس في الآخر، وصلت لأرض مليانة ورد. مش ندمانة على أي شيء، لأن كل لحظة خذلان كانت بتدفعني خطوة ناحية حريتي.
كنت بسمع أصوات المدينة وهي بتهدى، وبحس بسلام داخلي لا يوصف. أيوه، أنا اللي اتكسرت، وأنا اللي اتهانت، وأنا اللي بعت دهبها عشان تشتري فرح.. بس أنا كمان اللي
طلعت على السطوح، وبصيت للنجوم. كل نجمة كانت بتفكرني بوعد قطعته لنفسي عمري ما هسمح لحد إنه يطفّي نورك يا نيروز.
فتحت إيميلي، لقيت رسائل كتير، أغلبها من بنات بيسألوني ازاي نكون زيك؟ بدأت أرد عليهم واحدة واحدة. كل رد كان جزء من نيروز الجديدة، نيروز اللي بتشارك تجربتها عشان تنور طريق لغيرها.
الليل دخل، والهدوء زاد، وأنا حاسة إني في أجمل حتة في الدنيا، مش لأن المكان حلو، لكن لأنني أنا حلوة، ومتقبلة، وقوية.
خدت نفس عميق، وابتسمت للسما. القصة دي، اللي بدأت بدمعة، انتهت بانتصار. انتصار على الخوف، على الذل، وعلى كل حاجة كانت عايزة تكسرني.
وأنا بكتب آخر جملة في المذكرة، حسيت بإيد بتلمس كتفي، كانت نفسي، كأنها بتقولي شكراً إنك ما استسلمتيش.
كتبت النهاية.. أو بالأحرى، البداية الحقيقية.
قفلت المذكرة، وحطيتها في درج المكتب. المكان كان هادي، والشموع اللي ولعتها كانت بتنور أوضتي بضوء خافت، ضوء كان بيعكس الهدوء اللي في قلبي.
مشيت ناحية الشباك، وبصيت للطريق. طريق طويل، ممتد، مليان بفرص
نمت في الليلة دي، ولأول مرة من سنين، بنوم هادي، من غير كوابيس عن الفرح، ولا أصوات بتعاتبني. نمت وأنا حاسة بسلام، سلام إنسانة عارفة إنها عملت اللي عليها، وعرفت إن الحياة مش باللي بناخده، لكن باللي بنقدمه، وبالشخص اللي بنكون عليه في الآخر.
والصبح، لما الشمس طلعت، بدأت يوم جديد.. يوم كان فيه كتير من الشغل، وكتير من الناس اللي محتاجة مساعدة، وكتير من الأحلام اللي كنت مستنية أحققها.
أنا نيروز، وقصتي مش بس حكاية، دي مسيرة. مسيرة واحدة قررت تعيش، وتحب، وتنجح، والأهم من ده كله، إنها تكون حرة.
لو سألتوني دلوقتي نيروز، لو رجع بيكي الزمن، هتبيعي دهبك تاني عشان الفرح؟ هرد عليكم بابتسامة واثقة لا.. مش عشان الفرح، بس عشان اللحظة اللي اكتشفت فيها قوتي، اه، كنت همر بكل ده، عشان في الآخر ألاقي نفسي.
القصة انتهت هنا، بس الحكاية لسه مكملة.. حكاية كل ست بتبدأ تقرأها دلوقتي، حكاية نيروز، اللي علمتنا إن حتى من قلب