أخت جوزي كانت كل ما أزور حماتي تفتش شنطتي… ولما اكتشفت السبب الحقيقي، عرفت إن الموضوع عمره ما كان فضول.

لمحة نيوز


العقد كان باسم حماته.
لكن عنوانه نفس العنوان اللي شفته.
شقة في مدينة نصر.
اتشرت قبل ۏفاة والده بسنة تقريبًا.
أحمد قعد يبص للعقد وكأنه مش مصدق.
وقال
ليه ما حدش قال لي؟
قلت
يمكن فيه تفسير.
لكن الحقيقة إني أنا نفسي ما كنتش مقتنعة.
لما واجه حماته بالعقد...
عيطت.
ومن أول دموع نزلت منها فهمنا إن فيه سر متخبي من سنين.
قالت بصوت مكسور
أبوكم كان عايز الشقة تتقسم بينكم بعد عمري.
أحمد اټصدم.
وقال
طب وإحنا ليه ما عرفناش؟
بصت ناحية الأرض.
وسكتت.
وقبل ما ترد...
دخلت نجلاء.
وكان واضح إنها سمعت
آخر الكلام.
وهنا بدأت المواجهة الحقيقية.
نجلاء وقفت مكانها.
وشها شاحب.
وعينيها مليانة خوف.
وأحمد قال
الشقة دي مخبينها ليه؟
ساعتها نجلاء قعدت على الكرسي كأن رجليها ما بقتش شايلاها.
وقالت جملة ما حدش كان متوقعها
عشان كنت خاېفة.
الخۏف من إيه؟
وإيه علاقة مريم بتفتيش الشنطة؟
وإيه السر اللي خلى نجلاء تراقبها ثلاث سنين كاملة؟
أحمد بص لنجلاء باستغراب وقال
خاېفة من إيه بالظبط؟
نجلاء فضلت ساكتة ثواني طويلة.
وبعدين قالت بصوت مهزوز
خاېفة أخسر كل حاجة.
حماتي قالت بعصبية
قولي الحقيقة كلها يا نجلاء... كفاية لحد كده.
أنا وأحمد بصينا لبعض.
وكان واضح إن فيه كلام متخزن بقاله سنين.
كلام أكبر من الشقة نفسها.
نجلاء مسحت دموعها وقالت
بعد ۏفاة بابا بسنة تقريبًا... جوزي سابني.
أنا كنت عارفة الجزء ده من حياتها.
لكن ما كنتش أعرف تفاصيله.
كملت كلامها وقالت
وقتها كنت مديونة ومش عارفة أعمل إيه. عندي طفلين ومسؤولة عنهم لوحدي. كنت بخاف من بكرة بشكل مرضي.
سكتت شوية وبعدين قالت
ولما

عرفت إن بابا كان سايب الشقة دي... بدأت أفكر بطريقة غلط.
أحمد قال
يعني إيه؟
ردت
كنت مقتنعة إن لو الشقة اتقسمت... نصها هيروح ليك. وكنت شايفة إني أولى بيها كلها لأن ظروفي أصعب.
أحمد هز راسه بعدم
تصديق.
أما أنا فبدأت أفهم الصورة.
لكن لسه فيه جزء ناقص.
قلت لها
وده يفسر إخفاء الشقة... لكن ما يفسرش تفتيش شنطتي.
نجلاء بصت لي.
ولأول مرة شفت في عينيها ندم حقيقي.
وقالت
عشان كنت فاكرة إنك السبب.
أنا؟
أيوه.
سكتت لحظة وقالت
كل مرة أحمد يسأل عن حاجة تخص الفلوس أو الورث كنت أقول أكيد مريم اللي وراه. كل مرة يتكلم عن المستقبل كنت أقول أكيد هي بتحاول تعرف أملاك العيلة.
كنت مصډومة.
لأن عمري أصلًا ما سألت عن أملاكهم.
ولا اهتميت بالموضوع.
لكن الواضح إن نجلاء كانت عايشة جوا قصة من تأليفها هي.
قصة صدقتها لدرجة إنها بقت تتعامل معاها كأنها حقيقة.
في الأيام اللي بعدها حصل توتر كبير في البيت.
أحمد كان موجوع أكتر من كونه ڠضبان.
كان بيقول
لو كنتِ طلبتي مساعدتي كنت هقف جنبك.
ليه الكذب؟
ليه كل السنين دي؟
لكن نجلاء ما كانش عندها رد.
لأن الحقيقة إن بعض الأخطاء ما بيبقاش ليها تبرير.
فيه لحظة الإنسان بياخد فيها قرار غلط.
وبعدين يقعد سنين يحاول يغطي عليه.
لحد ما الغلط يكبر ويبقى أكبر منه.
مرت أسابيع.
وأحمد بدأ يراجع كل الأوراق.
وبالفعل اكتشف إن الشقة ما زالت موجودة.
وما اتباعتش.
لكن كانت مقفولة بقالها سنين.
راح شافها.
ورجع يومها ساكت.
سألته
مالك؟
قال
الشقة فاضية.
قلت
يعني إيه؟
قال
حرفيًا فاضية.
كأنها متقفلة من يوم ما اتشرت.
استغربت جدًا.
كل المشاكل دي بسبب شقة محدش
حتى ساكن فيها.
بعدها بفترة قصيرة.
حماتي تعبت ودخلت المستشفى يومين.
والحمد لله خرجت بخير.
لكن اليومين دول غيروا حاجات كتير.
لأن لأول مرة من سنين العيلة كلها اجتمعت بعيد عن المشاكل.
أحمد كان موجود.
ونجلاء كانت موجودة.
وأولادها موجودين.
وأول مرة الكل حس إن الخلافات دي ملهاش قيمة قدام صحة أمهم.
في ليلة من الليالي.
كنت قاعدة جنب نجلاء في المستشفى.
وإحنا لوحدنا.
قالت لي فجأة
أنا كنت بغير منك.
استغربت.
قلت
مني أنا؟
ضحكت بمرارة.
وقالت
أيوه.
أنا اتطلقت واتبهدلت وشيلت المسؤولية لوحدي. وإنتِ ډخلتي العيلة وكل
الناس بتحبك.
حماتي بتحبك.
وأحمد بيحترمك.
وحتى ولادي كانوا بيحبوكي.
كنت كل ما أشوفك أحس إني أقل منك.
سكتت شوية.
وبعدين قالت
ومع الوقت بقيت أفسر كل حاجة غلط.
أول مرة أحس إنها بتتكلم بصدق كامل.
من غير دفاع عن نفسها.
ولا محاولة تبرير.
مجرد اعتراف.
بعد خروج حماتي من المستشفى.
العيلة بدأت تهدى تدريجيًا.
وأحمد اقترح حل بسيط.
قال
ننفذ وصية بابا زي ما كان عايز.
واتفقوا إن الشقة تتقسم بشكل قانوني وعادل.
من غير مشاكل.
ومن غير محاكم.
ومن غير خصومات.
الغريب إن نجلاء وافقت فورًا.
كأنها كانت تعبت من حمل السر.
لكن المفاجأة الحقيقية حصلت بعدها بشهر.
كنت بنضف دولاب هدومي.
ولقيت ظرف قديم بين الأوراق.
استغربت.
فتحته.
ولقيت جواه ورقة صغيرة بخط نجلاء.
كانت مكتوبة من فترة طويلة.
يمكن قبل المواجهة بسنة أو أكتر.
واضح إنها كانت ناوية تديهولي وما عملتش كده.
الورقة كانت بتقول
يا مريم... يمكن عمرك ما تعرفي إني أنا اللي بفتش شنطتك. ويمكن لو عرفتي تكرهيني. بس أنا
كل مرة بعمل كده بحاول أقنع نفسي إني بحمي نفسي وولادي. ومع ذلك كل مرة برجع البيت حاسة إني إنسانة وحشة.
قريت الورقة أكتر من مرة.
وحسيت بشعور غريب.
مش تعاطف كامل.
ومش ڠضب كامل.
لكن فهم.
أحيانًا الناس بتعمل حاجات غلط جدًا.
مش لأنها شريرة.
لكن لأنها سمحت للخوف والغيرة يتحكموا فيها.
وده ما بيخليش الغلط صح.
لكن بيفسر ليه حصل.
بعد حوالي سنة.
العلاقة بين أحمد وأخته اتحسنت بشكل كبير.
مش رجعت زي زمان مية في المية.
لكن بقت طبيعية.
في الأعياد بنتجمع.
وفي المناسبات بنتقابل.
وأولاد نجلاء بقوا يجوا عندنا كتير.
أما أنا ونجلاء.
فأخدنا وقت طويل لحد ما الثقة رجعت.
لكنها رجعت بالتدريج.
مش بالكلام.
بالأفعال.
كانت كل مرة تثبت إنها اتغيرت.
وكل مرة كنت أدي فرصة صغيرة.
لحد ما بقينا نتعامل بشكل طبيعي.
وفي يوم من الأيام.
كنا قاعدين كلنا عند حماتي.
بنشرب شاي ونضحك.
وفجأة نجلاء بصت لشنطتي اللي جنب الكنبة.
وبعدين بصت
لي.
وقالت وهي بتضحك
تصدقي؟
لحد النهارده كل ما أشوف شنطتك أفتكر المصېبة اللي عملتها.
ضحك الجميع.
حتى أنا.
وقلت
المهم إنك ما تفتحيهاش.
ضحكت وقالت
مستحيل.
اتعلمت الدرس.
وبصراحة...
أنا صدقتها.
لأن الإنسان اللي بيعترف بغلطه ويحاول يصلحه بجد...
بيبقى شخص مختلف عن اللي عمل الغلط أول مرة.
وبعد ما رجعنا البيت الليلة دي.
وأنا برتب حاجتي.
بصيت لشنطتي للحظة.
وافتكرت أول مرة لاحظت إن المحفظة متحركة من مكانها.
وقتها كنت فاكرة إن حد فضولي.
بس الحقيقة كانت أكبر من كده بكتير.
كانت حكاية خوف قديم.
وغيرة متراكمة.
وأسرار عائلية اتدفنت سنين.
لكن في النهاية...
الحقيقة
ظهرت.
والحقوق رجعت لأصحابها.
والعيلة اتعلمت درس مهم.
إن السر مهما طال عمره...
في يوم من الأيام بيبان.
وإن الثقة لما تتكسر صعب ترجع...
لكن لو فيه اعتراف صادق وندم حقيقي وإرادة للتغيير...
ممكن تتبني من جديد، خطوة خطوة.
تمت القصة.

تم نسخ الرابط