عاقب زوجي ابنتي داخل غرفة الغسيل لأنها، كما قال، لا تعرف كيف تطيع الأوامر، وعندما وجدتها مختبئة تحت حوض الماء وهي تعانق علبة طعامها المدرسية بقوة، همست لي وهي ترتجف يده لا تستطيع الوصول إليّ هنا ظننت في البداية أنها مجرد نوبة غضب لطفلة صغيرة...لكن كل شيء تغيّر يوم فتحت المدرسة علبة الطعام نفسها، وعثرت بداخلها على ذاكرة إلكترونية صغيرة تحمل تسجيلات بصوت الرجل الذي كان الجميع يصفه بالرجل المثالي منذ انتقلنا للعيش في بيت زوجي، بدأت ابنتي رنا تختبئ في أماكن غريبة وصغيرة مرة خلف الأريكة ومرة تحت السرير ثم داخل غرفة الغسيل، بين سطل الماء والمكنسة وعلبة مسحوق التنظيف كانت في الثامنة من عمرها، ولا تفارقها أبدًا علبة طعام صفراء مرسوم عليها نحل صغير كنت أعتقد أنها مجرد عادة طفولية مؤقتة، أو وسيلة للتأقلم مع المدرسة الجديدة والحي الجديد والحياة الجديدة لكن في تلك الليلة، عندما وجدتها جالسة تحت حوض الماء، تضم ركبتيها إلى صدرها وتحتضن علبة الطعام وكأنها طوق نجاة، شعرت بشيء يختنق داخل صدري. رنا... حبيبتي، ماذا تفعلين هنا؟رفعت رأسها ببطء لم تكن تبكي وهذا أكثر ما أخافني همست بصوت بالكاد سمعته يده لا تستطيع الوصول إليّ هنا تجمدت في مكاني. يد مَن؟نظرت رنا نحو الممر كان صوت التلفاز مرتفعًا وكانت ضحكات زوجي تتردد في البيت ثم قالت بسرعة لا أحد كان اسم زوجي سامر في الحي، كان الجميع يثقون به بلا حدود يحمل أكياس التسوق الثقيلة عن الجيران يساعد كبار السن ويشتري الحلويات صباح كل جمعة وينادي رنا دائمًا أمام الناس هذه ابنتي الصغيرة أما أمي، التي كانت تعيش في البصرة، فلم تتوقف يومًا عن تكرار الجملة
نفسها عبر الهاتف حافظي عليه يا كارمن... ليس أي رجل يقبل الزواج من امرأة لديها ابنة وكنت أريد أن أصدق ذلك بعد انفصالي عن والد رنا، قضيت سنوات أعمل بلا راحة كنت أبيع السندويشات الصباحية قرب إحدى المدارس المتوسطة في بغداد أحسب كل دينار وأؤجل الفواتير وأحاول إعداد وجبات كاملة بأبسط المكونات المتوفرة وعندما ظهر سامر بالورود والصبر وبيت قال إنه سيكون بيتنا نحن الاثنتين، ظننت أن الحياة أخيرًا قررت أن تبتسم لنا لكن تلك الابتسامة جاءت مع أقفال إضافية على الأبواب سامر لم يكن يصرخ أمام الناس ولم يكن يهين أحدًا أمام الضيوف ولم يرفع صوته يومًا في مكان عام كان تحكمه هادئًا... وصامتًا. رنا تتلاعب بكِ. الفتاة تتصرف كضحية لأنها تفتقد والدها. إذا واصلتِ تصديق كل ما تقوله، فستدمرك يومًا ما. وإذا قررتِ مغادرة البيت، فستغادرين وحدك... أما الفتاة فستبقى هنا، لأن هنا يوجد استقرار حقيقي في المرة الأولى ظننته غضبًا وفي الثانية بدا تهديدًا أما في الثالثة، فبدأت أنام ومفتاح البيت تحت وسادتي رنا توقفت عن الاستحمام إذا كان سامر موجودًا في البيت وصارت تبدل ملابسها بعد أن تضع كرسيًا خلف باب غرفتها وعلى مائدة الطعام بالكاد كانت تأكل وكانت ترتجف كلما حرّك كرسيه فجأة رأيت ذلك كله ومع ذلك ظللت أقنع نفسي أنني أبالغ لأن الاعتراف بالحقيقة كان يعني أنني أنا من أدخلت الخطر إلى المكان الذي كان يفترض أن يكون ملاذ ابنتي الآمن في صباح يوم ثلاثاء، اتصلت بي معلمة رنا قبل أن أبدأ عملي. السيدة كارمن، أحتاج أن تحضري إلى المدرسة... وحدكِ لو سمحتِ.كلمة وحدكِ وحدها جعلت البرودة تسري في جسدي عندما رآني سامر أمسك حقيبتي وأتجه
نحو الباب، سألني إلى أين أنتِ ذاهبة؟ إلى المدرسة... رنا نسيت استمارة موافقة حدق في وجهي لثوانٍ طويلة ثم قال لا تقولي أشياء لا ينبغي أن تُقال تظاهرت بأنني لم أسمعه لكن يديّ تحولتا إلى قطعة جليد استقبلتني المعلمة جوليا داخل مكتبة المدرسة ليس في الصف ولا في غرفة المديرة بل داخل المكتبة، والباب مغلق، وإلى جانبها مرشدة نفسية وعلى الطاولة كانت علبة الطعام الصفراء الخاصة برنا قالت المعلمة بهدوء ابنتكِ تعاني من قلق شديد. تصر دائمًا على الجلوس قرب المخرج، وترفض البقاء وحدها مع أي رجل بالغ، وتخاف من صوت المفاتيح شعرت بحلقي يضيق. إنها حساسة بعض الشيء... بسبب الانتقال لم تجادلني المعلمة فتحت ملفًا فقط وأخرجت رسمة كانت رسمة لبيتنا المطبخ وغرفة الغسيل ورنا مرسومة تحت الحوض وأنا عند الباب ودموع زرقاء تنزل من عيني أما سامر فكان مرسومًا بحجم ضخم جدًا، بيد حمراء وابتسامة ملتوية وفي أسفل الورقة كُتبت جملة بخط طفوليعندما تنام أمي، يأتي ليتأكد إن كنت ما زلت هنا وضعت يدي على فمي فورًا. الأطفال أحيانًا يتخيلون أشياء...وكرهت نفسي قبل أن أنهي الجملة التقطت المرشدة علبة الطعام وقالت رنا ترجتنا ألا نسلم هذه العلبة لأي شخص غيركِ.فتحت السحاب الداخلي بحذر لم يكن هناك فاكهة ولا سندويش.
بل جورب مطوي وسلسلة مفاتيح بلاستيكية وذاكرة إلكترونية صغيرة مثبتة أسفل العلبة بشريط لاصق قالت المعلمة قالت لنا إن هذا يحتوي على صوت البيت عندما لا يراقب أحد أوصلت الذاكرة إلى الحاسوب كان أول تسجيل شبه صامت ثم سُمِع صوتي أنا سامر... كفى، الفتاة نائمة ثم جاء صوته هو هادئًا بشكل مخيف ليست نائمة... إنها مختبئة مثل جرذ صوت باب
يُغلق بقوة خطوات تقترب ثم صوت تنفس رنا المرتجف قرب جهاز التسجيل ثم عاد سامر يقول استمعي إليّ جيدًا... إذا واصلتِ تخويف أمكِ والحديث بأشياء لا ينبغي أن تُقال، فسأطرد أمكِ من البيت وأترككِ وحدكِ. هل فهمتِ؟ثم دوى صوت ارتطام قوي بشيء معدني عرفته فورًا كان سطل غرفة الغسيل ثم جاء صوتي من بعيد ماذا تفعل؟فأجاب أربي ابنتكِ... لأنكِ فاشلة في ذلك استمر التسجيل لثوانٍ أخرى كانت رنا تبكي بصمت كامل أوقفت المعلمة التسجيل أما أنا فلم أعد قادرة على الحركة لأسابيع طويلة كانت ابنتي تخبئ تلك الذاكرة داخل علبة الطعام تسجل كل ما كنت أرفض رؤيته فهمت قبلي أن الحقيقة أحيانًا تحتاج دليلًا قاسيًا...لأن كلمة طفلة عمرها ثماني سنوات لا تكفي أمام ابتسامة رجل يحظى باحترام الجميع قالت المرشدة توجد تسجيلات أخرى... لكن قبل سماعها كلها يجب تفعيل إجراءات حماية الطفل. لا يجوز أن تعودي إلى ذلك البيت وحدكِ.اهتز هاتفي سامر لم أجب ظهرت رسالةلماذا تأخرتِ حتى الآن؟ثم رسالة ثانيةرنا نسيت علبة الطعام في المدرسة... أليس كذلك؟حدقت في العلبة فوق الطاولة وقرأت المعلمة الرسالة أيضًا فشحب وجهها. هل يعرف؟قبل أن أجيب، وصلت رسالة ثالثةأخبري ابنتكِ أن الأسرار لها عقاب أيضًا قفزت المرشدة من مكانها. يجب أن نحضر الفتاة حالًا خرجنا من المكتبة مسرعين كانت رنا تجلس خارج الإدارة وإلى جانبها الأخصائية النفسية ما إن رأتني حتى ركضت نحوي وارتمت بين ذراعي ضممتها بقوة وكأنني أحاول إعادتها إلى داخلي من جديد همست في أذنها سامحيني يا حبيبتي... سامحيني هزت رأسها فوق صدري وقالت أمي... قال إنه إذا تكلمت، سيجلب أوراقًا تجعلكِ لستِ أمي بعد اليوم