كل ماجوزي يضربني بقلم اماني سيد

لمحة نيوز


الأمانة.
ديون أعرفها... إنذارات أفهمها... لكن أمانة؟
فضل السؤال يطاردني لحد المغرب، وفجأة سمعنا خبطًا عنيفًا على باب الشقة.
فتح جوزي الباب، ولأول مرة شفته وشه اصفر وخطوتُه رجعت لورا.
أما الرجل الواقف على الباب، فقال جملة واحدة قلبت البيت كله
أنا جاي آخد الحاجة اللي سبتها عندك من خمس سنين... ومش همشي غير لما ترجعها سكت البيت كله.
جوزي وقف قدام الباب يمنع الراجل من الدخول، وقال بصوت متوتر
مش وقت كلام... امشي دلوقتي.
لكن الراجل رد بهدوء
أنا استنيت خمس سنين، ومش هستنى يوم كمان.
كنت واقفة بعيد، مش فاهمة إيه هي الأمانة اللي بيتكلم عنها.
خرج جوزي معاه على السلم وقفّل الباب وراه، لكن الأصوات كانت عالية لدرجة إني سمعت جزءًا من الكلام.
الراجل قال
أنا وثقت فيك وسلمتك الصندوق بإيدك، وقلتلك ترجعه لصاحبه أول ما يرجع من السفر.
رد جوزي بعصبية
قلتلك الصندوق اتسرق.
فجأة صرخ الراجل
كفاية كدب! أنا عرفت إنه ما اتسرقش، وإنه لسه عندك.
أول ما سمعت كلمة الصندوق، افتكرت حاجة كنت ناسيها من سنين.
بعد جوازنا بشهور، جوزي كان جاب صندوقًا خشبيًا صغيرًا، مقفول بقفل حديد، وقال لي وقتها
أوعي حد يقرب منه... ده شغل خاص بيا.
ولما سألته فيه إيه، اتعصب بشكل غريب، ومن ساعتها اختفى الصندوق تمامًا.
لما دخل البيت،

كان وشه متغير.
لقيته داخل على المخزن الصغير اللي تحت السلم، وقفل الباب من جوه.
بعد دقائق خرج وهو شايل شنطة سفر قديمة، عمرى ما شفته فتحها قبل كده.
حطها في العربية وخرج من غير ما يبصلي.
إحساس غريب خلاني أمشي وراه من غير ما يحس.
ركب عربيته، وأنا ركبت تاكسي وطلبت من السواق يفضل ماشي وراه.
فضلنا ماشيين أكتر من نص ساعة، لحد ما وقف قدام بيت قديم مهجور في آخر الشارع.
نزل وهو شايل الشنطة، وبص حواليه كأنه بيتأكد إن محدش مراقبه.
دخل البيت، وبعد دقايق خرج... لكن من غير الشنطة.
وقبل ما يركب عربيته، سمعت صوت عربية شرطة بتقف قدام البيت القديم، ونزل منها ظابط نادى بصوت عالي
محمود... استنى مكانك، إحنا محتاجين نسألك عن حاجة مهمة.
في اللحظة دي، عرفت إن السر اللي مستخبيه من سنين بدأ ينكشف... لكني لسه ماكنتش أعرف إيه اللي كان جوه الشنطة، ولا ليه كل الناس بتدور عليها اتجمد محمود في مكانه أول ما سمع صوت الظابط.
لف ببطء، وهو بيحاول يبان هادي، وقال
خير يا فندم؟
رد الظابط
بلغنا إن في بلاغ قديم متعلق بأمانة كانت عندك، وجينا نتأكد من كام معلومة.
محمود ابتسم ابتسامة متكلفة وقال
أكيد في سوء تفاهم.
الظابط بص له لحظة، وبعدها قال
يبقى مفيش مانع نفتش البيت القديم.
قلبي كان بيدق بسرعة وأنا مستخبية بعيد أراقب.

دخلوا البيت، وبعد دقائق خرج أحد الأمناء وهو شايل الشنطة القديمة.
فتحها قدام الجميع...
لكنها كانت فاضية.
الراجل الكبير اللي كان واقف مع الظابط شهق وقال
مستحيل... أنا سلمته الصندوق جواه بنفس إيدي.
الظابط بص لمحمود وسأله
فين الصندوق؟
محمود سكت، وبدأ العرق ينزل من جبينه.
وفجأة، خرج رجل مسن من البيت المجاور، وقال
أنا شوفته من سنتين.
لفوا كلهم ناحيته.
قال
كان داخل البيت ده بالليل، وشال الصندوق ودفنه في الجنينة اللي ورا البيت، وبعدها ردم المكان ورجع كأن مفيش حاجة حصلت.
محمود صرخ
الراجل ده بيكدب!
لكن الظابط أمر أفراد الشرطة يحفروا المكان.
كل دقيقة كانت بتعدي كأنها ساعة.
وبعد شوية، خبطت الجاروف في جسم خشبي.
الكل وقف يتفرج.
طلعوا صندوقًا قديمًا، عليه نفس القفل الحديد اللي كنت شوفته من سنين.
بص الراجل الكبير للصندوق، ودموعه نزلت، وقال
الحمد لله... أخيرًا لقيته.
لكن قبل ما حد يفتحه، قال الظابط
الصندوق هيتفتح في القسم، بحضور كل الأطراف.
وفي اللحظة دي، بص الراجل الكبير ناحيتي لأول مرة، وقال جملة خلتني أرجع خطوة لورا من الصدمة
حضرتك لازم تيجي معانا... لأن اللي جوه الصندوق مكتوب إنه يخص مستقبل ابنك بصيت للراجل وأنا مش قادرة أستوعب كلامه.
قلت باستغراب
ابني؟! إزاي؟ أنا عمري ما شوفتك قبل كده.

رد بهدوء
هتعرفي كل حاجة في القسم... بس لازم تكوني موجودة.
محمود حاول يقاطع الكلام وقال بعصبية
مراتي مالهاش دعوة بأي حاجة.
لكن الظابط رد بحزم
دلوقتي الموضوع بقى تحت التحقيق، ومحدش هيمشي قبل ما الحقيقة تظهر.
وصلنا القسم، واتحط الصندوق على الترابيزة.
فتح الظابط القفل، وبدأ يطلع اللي جواه.
في الأول كان فيه مجموعة أوراق رسمية ملفوفة بعناية، وبعدها دفتر قديم، وفي الآخر ظرف أبيض كبير مكتوب عليه
يُسلم لزوجة محمود إذا تعذر الوصول إليّ.
فتح الظابط الظرف، وناولني الورقة.
كانت رسالة مكتوبة بخط واضح
إذا وصلتك الرسالة دي، يبقى أنا معرفتش أرجع في الوقت المناسب. محمود وافق يحتفظ بالأوراق دي عنده أمانة، لأنها تثبت حقوق ناس كتير، وطلبت منه مايسلمهاش لحد غيري أو لزوجتي لو حصل لي حاجة.
بصيت لمحمود، لقيته مطأطئ راسه.
كملت قراءة الرسالة
أنا مدين لمحمود باعتذار كبير، لأنه اتحمل مسؤولية تقيلة، لكن خوفي عليه خلاه يعيش سنين تحت ضغط وتهديد من ناس كانت عايزة تاخد الأوراق بأي طريقة.
رفعت عيني ناحية محمود، وكانت أول مرة أشوفه ساكت بالشكل ده.
لكن الراجل الكبير قال
دي مش آخر ورقة... في واحدة كمان.
فتح الدفتر، وطلع منه إيصال صغير.
أول ما الظابط قراه، اتغيرت ملامحه.
قال
يعني محمود كان بيسدد جزء من الدين
كل شهر من مرتبه... عشان يحافظ على الأمانة ومايضطرش يبيعها أو يسلمها لحد.
ساعتها بدأت أفهم
 

تم نسخ الرابط