بعد ثلاث شهور بقلم صابرين محمد
جزء منها لحساب منفصل لليوم الأسود اللي حياتي تحتاج فيه إنقاذ.
امبارح بالليل ، كانت الحجة خديجة بتشرب الشاي في الصالة ومتربعة على مرتبتها كأنها قاعدة على عرش. ومحمد قاعد جنب رجليها صامت كالعادة.
فجأة خبط صاحب الملك الباب.
دخل عم توفيق ومعه الإنذار والأوراق.
مابتسمش كالعادة.
قال بلهجة رسمية ده إنذار رسمي ، العقد انتهى ومعاكم خمس أيام للإخلاء عشان الشقة متباعة ومحتاجة توضيب وترميم.
ضحكت الحجة خديجة باستهزاء في الأول.
بعدين لفت وشافت شنطتي الكبيرة واقفة عند الباب.
وجنبها عبايتها وشنطتها.
أنا حزمت كل أغراضي وأغراضها.
تغيرت ملامح وشها واصفرت.
صرخت إيه اللي بيحصل ده؟
قلت لها بجفاف دي هدومكِ.
صاحت أنتِ ست بلا حياء وبلا تربية! عايزة ترمي ست عجوزة في الشارع؟
رديت لا يا خالة ، أنا بس أنهيت عقد كنت بدفعه بدمي ولحمي .
وقف محمد مصدوم نادية.. الله يخليكِ.
التفت إليه وقلت الله يخليك لمين؟ يخليك لأمك عشان تستمر بتسميتي خادمة وصانعة في بيت لولا عرق جبيني لما كان حواكم سقف؟
بس الأوان كان فات.
الحجة خدبجة قالت ابني مش هيتخلى عني ولا يسبني!
هزيت رأسي وقلت ، مش مجبور.
ساد الصمت الشقة كلها.
شلت شنطتي على كتفي.
أنا نقلت شقتي الجديدة ولو محمد اختارك ، يبقى ييجي معاكي ويدور ليكم على مكان تاني.
سقط وش محمد من الصدمة والخوف.
مسكت الحاحة دراعه وقالت
بص لي.. بعدين للشنط الجاهزة.. بعدين لإنذار الإخلاء.
ولأول مرة من تلات شهور ، لفت حماتي حواليها وأستوعبت إن كل حيطة شتمتها وأهانتها كانت واقفة بفضل توقيعي أنا.
حطيت ورقة مطوية فوق شنطتها.
سألتني بنبرة مكسورة إيه ده؟
قلت لها ده رقم سواق الميكروباص المتجه لأسوان. يمكن هناك في ديرتكِ تملكي بيت يشترى فيه الكبرياء بالكرامة ، أما هنا فالبيوت بتشترى بالتعب والفلوس.
صرخت وولولت وفتح الجيران الأبواب.
بدأ محمد يعتذر ليا ويقول إنه آسف وأنه كان لازم يوقفها وأنه مكانش عايز ده يحصل أبرًا.
ما ردتش عليه.
عشان الأسف مبيرجعش الساعات اللي ضاعت من عمري بلا نوم.
والأسف مبيرجعش الفلوس اللي اتصرفت.
والأسف مبيخليش المرأة تحس بالأمان والستر في بيتها.
الصبح ده ، بدأت أخت جوزي تبعت رسائل صوتية على الموبايل من أسوان تقول معندكيش قلب وقاسية وظالمة والعيلة تضحية وصبر ورميتي ست عجوزة صايمة مصلية في الشارع.
سمعت أول رسالة وأنا واقفة وسط الشقة الجديدة ، حواليني الكراتين الصغيرة والهدوء التام مالي المكان.
افتكرت إن الحكاية خلصت عند كده... وإن كل واحد خد نصيبه من اللي عمله.
لكن بعدها بدقايق جاتني رسالة ثانية. مكانتش من أخت جوزي. كانت من عم توفيق صاحب الشقة القديمة. بعت لي صورة واحدة وتحت الصورة كتب لي بنتي نادية ، قبل ما أسلمك باقي مبلغ التأمين
صابرين_محمد
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمدسمعت الرسالة أكتر من مرة.
وبصيت للصورة اللي عم توفيق بعتها.
كانت صورة للمرتبة بعد ما اترفعت من مكانها، وتحتها قطعة سيراميك مختلفة لونها عن باقي الأرضية، وبجانبها كيس قماش قديم مربوط بإحكام.
كتبت له بسرعة هو إيه ده؟
رد بعد ثواني أنا ما فتحتوش... أول ما شوفته افتكرت إن لازم تشوفيه بنفسك.
وقفت مكاني، وقلبي بيدق بعنف.
رجوعي للشقة القديمة كان آخر حاجة أتمنى أعملها، لكن الفضول كان أقوى.
ركبت أول ميكروباص، وطول الطريق دماغي بتلف.
يا ترى كانت مخبية فلوس؟
ولا ده مجرد حاجات قديمة؟
ولا فيه سبب خلاها تنام فوق المكان ده تلات شهور كاملة ومترضاش حد يقرب منه؟
لما وصلت، لقيت باب الشقة مفتوح.
عم توفيق كان واقف مستنيني، والجيران واقفين بعيد بيتابعوا في صمت.
أول ما دخلت، حسيت إن المكان بقى غريب.
الصالة فاضية.
مرتبة الحجة خديجة متشالة من مكانها.
والكيس القماش لسه زي ما هو... محدش لمسه.
قال عم توفيق أنا استنيتك زي ما وعدتك.
قربت بخطوات بطيئة.
ركعت على ركبتي.
مديت إيدي ناحية الكيس...
لكن قبل ما ألمسه، سمعنا صوت جري سريع على السلم.
وبعدها مباشرة...
حد خبط على باب الشقة بعنف وهو بيصرخ من بره
اوعوا تفتحوا الكيس... محدش يلمسه!اتجمدت
بصيت لعم توفيق، وهو بص ناحية الباب باستغراب.
الخبط زاد، والصوت بقى أعلى
افتحوا بسرعة... قبل ما حد يفتح الكيس!
فتح عم توفيق الباب بحذر.
كانت أخت محمد، وشها أحمر من الجري، وبتنهج كأنها طالعة السلم كله من غير ما تقف.
أول ما شافت الكيس، شهقت وقالت
لسه مكانه؟ الحمد لله!
سألتها بحدة
إيه الحكاية؟ وإنتِ عرفتي منين أصلًا؟
ارتبكت، وبدأت تبص حواليها، وكأنها ندمت إنها جت.
قالت بصوت واطي
أنا... أنا كنت بكلم أمي، ولما عرفت إنكم دخلتم الشقة... خافت.
قطعت كلامها بسرعة
خافت من إيه؟
بلعت ريقها، لكنها مردتش.
في اللحظة دي، رن موبايلها.
بصت للشاشة، واتغير لون وشها.
كان اسم المتصل ظاهر قدامنا كلنا...
أمي.
ردت وهي مشغلة السماعة من غير قصد.
أول صوت خرج من الحجة خديجة كان مليان توتر، مش الكبرياء اللي كانت بتتكلم بيه طول الشهور اللي فاتت.
قالت بسرعة
وصلتي؟ محدش فتح الكيس... صح؟
سكتت بنتها.
الحجة كررت السؤال بعصبية
انطقي! فتحوه ولا لسه؟
قلت وأنا بقرب من الموبايل
لسه يا خالة... بس واضح إنه أهم عندك من ابنك.
ساد صمت طويل.
وبعدين خرج صوتها مكسور لأول مرة
يا نادية... سيبي الكيس زي ما هو... وأنا هاجي بنفسي.
قلت ببرود
بعد كل اللي حصل؟
ردت من غير تردد
هجيلك... حتى لو آخر مرة أنزل فيها من أسوان.
قفلت المكالمة.
وبعد أقل من دقيقة...
رن موبايل
بص للشاشة، وعقد حواجبه.
وقال باستغراب
دي مكالمة من محامي... وبيقول إنه جاي