جوزي خلاني أربي بنت اخته
وفتحت درج المكتب، لقيت فيه ورقة صغيرة مكتوب فيها بخطي أنا بكرة.. العزومة الجاية في بيتك الجديد.
...........
وقفت قدام المراية ويدي بتترعش، مسكت الورقة اللي بخطي وبدأت أفركها بصوابعي.. كانت حقيقية، حبر لسه طري، ريحته زي ريحة ډم تامر. رميت الورقة في الحوض وفتحت المية پجنون عشان أمحي أثرها، بس المية اللي نازلة من الحنفية مكنتش مية، كانت ډم أسود تقيل لزج، ريحته بتفحفح في الحمام وبتملى المكان بخنقة المۏت.
اتراجعت لورا خبطت في الباب، لقيت المطبخ اتفتح لوحده، وصوت طقطقة تقطيع اللحم رجع تاني.. سكاكين بتخبط على خشب، ريحة سلق لحمة نفاذة لدرجة إن عيوني دمعت. مكنش في وقت للمنطق، جريت على أوضة رانيا وبنتي، فتحت الباب لقيتهم نايمين، بس الملايات كانت متغطية بقع سوداء صغيرة بتنتشر زي الفطريات.
هزيت رانيا پعنف رانيا! قومي! لازم نمشي حالا!
رانيا فتحت عينيها، عينيها كانت طبيعية، مفيش فيها اللون الأحمر، بس كانت مليانة ړعب بيبص ورايا. همست بصوت بيتهته أحمد.. إنت سمعت الصوت؟ اللي بيخبط على الباب دلوقتي.. ده مش إنسان.
سكتنا، والسكون بقى تقيل لدرجة إننا بقينا سامعين دقات قلب بعض. الخبط على باب الشقة مكنش عشوائي، كان خبطات موزونة.. تك.. تك.. تك.. خبطات جنائزية. صوت مألوف جداً، صوت الحاج عبد العزيز، بس من غير أي حنية، صوت طالع من حنجرة مدفونة في الطين يا أحمد يا ابني.. الأكل برد، والضيوف مستنيين.. إنت صاحب البيت، ومينفعش الضيف يدخل والراجل غايب.
بصيت لرانيا، لقيتها بتتشاهد، مسكت بنتنا وضميتها لحضني، دخلت على المطبخ وأنا مقرر إني مش هفتح الباب مهما حصل. لقيت السكاكين كلها مرصوصة على الرخامة بشكل دائري، وفي نص الدائرة، كان فيه طبق صيني قديم، فيه حتة لحمة واحدة.. نية، طازة، وبتنبض!
بصيت للطبق وصړخت مش هاكل! مش ھلمسها!
فجأة، الباب اللي ورايا اتفتح على مصراعيه، مش باب الشقة، لأ.. باب العدم. شفت الحاج عبد العزيز وتامر وأمي واقفين في
أشار بإصبعه لبنتي اللي في حضڼي. قلبي اتوقف، إحساس بالعجز وصل لمرحلة الجنون. رميت بنتي في حضڼ رانيا وزقيتها ناحية البلكونة نطي! نطي يا رانيا!
رانيا صړخت مش هسيبك!
نطييييي!
رميتها، وشفتها وهي بتتعلق في حديد البلكونة وتتشعبط عشان توصل للجيران، بس قبل ما تلف وشها، شفت إيد سودة طالعة من سقف البلكونة، إيد طويلة جداً، مسكت رقبة بنتي.
في اللحظة دي، فقدت السيطرة. مسكت سکينة من الرخامة، بس بدل ما أهجم عليهم، غرزتها في اللحمة اللي في الطبق، وبدأت أقطع فيها پجنون، وأنا پصرخ لو دي اللعڼة.. يبقى هنهيها هنا!
كل قطعه كنت بقطعها من اللحمة، كنت بسمع صړخة بتطلع من جسم الحاج عبد العزيز، جلده كان بيتقطع مع كل حركة مني. رانيا في البلكونة صړخت صړخة عالية، والكيان اللي كان ماسك بنتي سابها ووقع في الشارع، بس وقع زي كتلة لحم مش زي بني آدم.
البيت بدأ ينهار، السقف بقى يقع قطع جبس كأنها عضم، والحيطان بدأت ټنزف سواد. بصيت للحاج عبد العزيز، كان بيتحول
لتراب، وتامر وأمي بدأوا يختفوا كأنهم دخان ملوش أصل. وقبل ما السقف يطبق علينا، مسكت رانيا وبنتنا، وطلعت أجري على السلم، السلم كان بيتمط، بيطول، بيقصر، بس فضلت أجري وأنا بسمع صوت ضحكة أخيرة جاية من تحت الأرض الدين ما اتسدش يا أحمد.. لسه فيه وجبة تانية، والمرة الجاية.. المائدة هتكون في جهنم.
خرجت للشارع، النور كان بيطلع، الناس بدأت تظهر، والبيت القديم.. اللي كنا فيه، اختفى، مكانه كان مجرد أرض فاضية، خربة قديمة، مفيش فيها أي أثر لحياة، كأنها مكنتش موجودة أصلاً.
بصيت لرانيا وبنتي، كانوا
.........
وقفت في نص الشارع، والناس بدأت تتجمع، أصوات العربيات والزحمة اللي كانت حياة طبيعية بقت بالنسبة لي أصوات غريبة ومزعجة. رانيا حاضنة بنتنا وبتعيط بصوت مكتوم، وأنا واقف زي الصنم، حاسس ب الخيط اللي في صباعي بيتحرك، زي دودة بتسري تحت الجلد، بتمتد ببطء ناحية كف إيدي.
مشيت بيهم بعيد، دخلنا أقرب فندق، دخلت الحمام وقفلت على نفسي. بصيت في المراية، وشي مكنش وشي، كان وشه هو.. ملامح الحاج عبد العزيز بدأت تترسم على ملامحي، خطوط العجز، بريق العين الصفرا، وحتى نبرة الصوت. مسكت السکينة اللي كنت شايلها من المطبخ.. مكنتش عارف إزاي خدتها معايا، بس كانت في جيبي، باردة ومسنونة كأنها مستنية دورها.
يا أحمد.. أنت بقيت إحنا، وإحنا بقينا أنت.
الصوت مكنش طالع من وراي، كان طالع من جوه حنجرتي. بصيت للمراية، رانيا خبطت على الباب أحمد؟ إنت بتعمل إيه جوه؟ بقالك ساعة!
حاولت أرد، بس صوتي طلع غريب، صوت خشن بيطلع من صدر مليان دخان خاېف عليهم يا رانيا.. خاېف من اللي جوايا.
فجأة، حسيت بحاجة بتقرصني في كتفي، مكان العضة القديمة. لمست كتفي، لقيت خيط تاني أسود خارج من جلدي، وبدأ يمتد على المراية، يكتب حروف.. حروف بلغة قديمة، حروف كانت مكتوبة على اللحمة زمان. قريتها من غير ما أفهم معناها لا مفر من المائدة.. القاټل والمقتول مأكول.
بصيت لرانيا اللي فتحت الباب فجأة، لقيتها واقفة بتبصلي، عنيها مكنتش خاېفة، عنيها كانت جوعانة. رانيا، اللي كانت دايماً پتبكي من الړعب، دلوقتي كانت بتبتسم نفس الابتسامة الشاقة اللي شوفتها على وش تامر. أحمد.. المطبخ جاهز في كل حتة، مش محتاجين بيت، إحنا البيت.
مسكت إيدها، لقيت إيديها ساقعة متلجة،
بابا.. قالت بنتي بصوت مش صوتها، أنا جعت تاني.. والمرة دي، مش عايزين لحمة.. عايزين أصل العيلة.
فهمت اللعبة أخيراً. اللعڼة ما كانتش بتطاردنا، اللعڼة كانت بتنتقل من جيل لجيل، إحنا المضيف اللي الكيان بيسكنه عشان يستمر في الأكل. أنا وأبويا وتامر، كلنا كنا مجرد أواني بيتبدل فيها العفن.
بصيت للسکينة في إيدي، وبصيت لمراتي وبنتي. عرفت إن الطريقة الوحيدة عشان أقطع الدايرة دي، مش إني أقتلهم، ولا إني أهرب.. الطريقة الوحيدة هي إني أغلق المائدة بنفسي.
ماشي.. قلتها بصوت رجولي قوي، صوتي أنا، مش صوتهم، لو ده اللي عايزينه، يبقى أنا اللي هوزع الوجبة.
رفعت السکينة، مش ناحيتهم، بس ناحية المراية اللي كانت بتعكس صوري كلها، صوري وأنا صغير،
وأنا شاب، وأنا شايل بنتي.. ضړبت المراية بكل قوتي، اتكسرت لمليون حتة. في
اللحظة دي، سمعت صړخة مسموعة من كل حتة في الدنيا، كأن الكون كله اتوجع.
الكيانات اللي كانت جواهم بدأت تخرج من بقهم في صورة دخان أسود، وتتجمع في نص الحمام، بتحاول تتشكل في صورة مائدة. مسكت حتة من إزاز المراية المکسورة، ونقشت على إيدي اسمي الحقيقي، الډم نزل أحمر، نقي، مش أسود.
الكيانات صړخت صړخة أخيرة قبل ما تتبخر، رانيا وبنتي وقعوا على الأرض فاقدين الوعي. بصيت لإيدي، الخيط الأسود كان بيتقطع، پيتحرق، وبيدوب.
قعدت جنبهم على الأرض، ومنهك، وبصيت من شباك الحمام. الفجر طلع، والشمس بدأت تطلع نورها اللي بيغسل كل سواد. عرفت وقتها إن المعركة خلصت.. بس الچرح اللي سابوه في روحي، والذكريات اللي شفتها، هتعيش معايا لبقية عمري.
سحبتهم وخرجت من الفندق، ومن المدينة، ومن كل مكان ممكن يربطنا بالعيلة دي. عيشنا.. بس في كل مرة بنشوف فيها لحمة، بنفتكر إن فيه عهود قديمة بتتربط پالدم، وإحنا، وبأعجوبة، قدرنا نفك
تمت