الانترفيو
وقالت
خديه.
عشان ساعدتيني.
نور أخدته
كأنه أغلى هدية في الدنيا.
الساعة 831
راجل جري في الممر.
كان لابس بدلة فخمة.
وكرافتته مفكوكة.
ووشه كله ړعب.
أول ما شاف البنت
صړخ
ليلى!
البنت جريت عليه.
وقالت وهي بټعيط
بابا!
نزل على ركبته.
وحضنها جامد.
وباس راسها كذا مرة.
وكان بيترعش.
قال
أنا آسف.
أنا هنا.
مش هسيبك تاني.
وبعدين
رفع عينه لأول مرة ناحية نور.
شاف فستانها اللي اتكرمش.
والملف اللي في إيديها.
والجزمة اللي بهدلتها الجرية.
والخيبة اللي بتحاول تخبيها.
قال
إنتِ اللي لقيتيها؟
نور هزت راسها.
وقالت
كانت لوحدها في المحطة.
فضلت
معاها لحد ما الأمن وصلك.
ابتسم وهو لسه شايل بنته.
وقال
مش عارف أشكرك إزاي.
أنا هشام المنشاوي.
نور قلبها وقع.
المنشاوي؟!
استحالة
قالت بهدوء
أنا نور حسن.
أول ما سمع اسمها
ملامحه اتغيرت فجأة.
وقال وهو باصصلها باستغراب
نور حسن؟
هزت نور راسها ببطء، وبتحاول تداري الرعشة اللي في صوتها أيوة، نور حسن. أنا... أنا كنت مقدمة على وظيفة في شركتكم، مجموعة المنشاوي. كان ميعاد المقابلة الساعة تمنية ونص، بس...
سكتت نور، مش عايزة تبان كأنها بتمنّ عليه باللي عملته، أو كأنها بتستخدم إنقاذ بنته ككرت ضغط عشان تتوظف. بصت للساعة اللي في إيدها، كانت عدت تمنية ونص بكتير. خلاص، الحلم اللي كانت بتعد الدقايق عشانه اتبخر.
هشام المنشاوي ابتسم، بس الابتسامة دي ما كانتش ابتسامة رجل أعمال عادي، كانت نظرة فاحصة، وكأنه بيقرأ اللي جواها. نزل ليلى على الأرض برفق، بس ساب إيده على كتفها الصغير.
قال بنبرة حادة ومفيهاش هزار وهو بيلف للمساعد بتاعه اللي كان لسه واصل بيجري سليم، اتصل بالمدير العام فوراً. قولهم إن مقابلات
نور اتخضت وقالت يا فندم، أنا مش عايزة أشتغل بالواسطة أو عشان الموقف ده. أنا ساعدت ليلى لأني أم... قصدي لأني كنت مكانها قبل كدة، مش عشان أخد وظيفة.
هشام ضحك، ضحكة خالية من التكلف، ضحكة حد شاف كتير في الدنيا دي وفهم أصول الناس. بص لها وقال يا آنسة نور، دي مش واسطة. أنا راجل أعمال، والبيزنس بتاعي بيقوم على الثقة، والمسؤولية، والقدرة على اتخاذ قرارات صعبة تحت الضغط. أنتِ النهاردة ضحيتي بأهم فرصة في حياتك عشان طفلة غريبة عنك. تفتكري حد من الموظفين اللي بيقبضوا ألوفات كان هيعمل زيك؟ الكل كان هيعدي ويقول مش شغلي.
ليلى، اللي كانت بتسمع الحوار ببراءة، شدت إيد أبوها وقالت بابا، هي كانت بتقرأ لي قصة وهي بتطمني. هي مش بس طيبة، هي شاطرة جداً.
هشام بص لبنته بحنان، ورجع بص لنور نور، أنتِ ما ضيعتيش الوظيفة. أنتِ غالباً حصلتي عليها من غير ما تقدمي حتى. بس ليا شرط.
نور سألت بقلق شرط إيه يا فندم؟
رد هشام إننا نطلع المكتب دلوقتي، والمقابلة مش هتكون أسئلة روتينية مملة، أنا اللي هسألك وهشوف إذا كنتِ مناسبة للكرسي اللي هقعدك عليه ولا لأ.
...
في العربية الفخمة، كانت الأفكار واخدة نور لمكان تاني خالص. من رصيف المترو المكتوم بريحة الدخان والزحمة، لقعده على كراسي جلد وريحة برفان غالي. هشام ما اتكلمش في الشغل، قعد يسألها عن حياتها، عن أبوها، عن اللي بتعمله عشان تصرف على بيتها. كان بيسأل أسئلة بتكشف معدن الإنسان مش بس مهاراته.
لما وصلوا البرج الزجاجي الشاهق، نور حسّت برهبة، بس كان فيه حاجة جواها بتقولها خليكي واثقة يا نور، إنتِ عملتي
في المكتب،
هشام قعد وفتح ملف ال CV بتاعها، وقال مؤهلاتك ممتازة، بس أنا مش بدور على شهادات. أنا بدور على اللي يعرف قيمة الناس في زمن نسيوا فيه القيمة دي.
بص لها بتركيز وقال قوليلي، بعيداً عن البروتوكول.. ليه كنتِ عايزة الوظيفة دي بجد؟ عشان الفلوس ولا عشان الطموح؟
نور اتنهدت وقالت بصوت مسموع عشان أمي يا فندم. أمي مريضة، وبقالنا سنين بنحسب القرش قبل ما نصرفه عشان دواها. الوظيفة دي كانت بالنسبالي طوق نجاة، مش بس عشان أترقى أو أظهر.
هشام سكت لحظة، وبعدين أخرج قلم وورقة وكتب فيها حاجة ودفعها لنور.
قال ده مش عرض شغل عادي. أنا محتاج مديرة لمكتب المبادرات الإنسانية في شركتنا. شركتي بتعمل ملايين، بس أنا حاسس إننا فقدنا روحنا في السكة. عايزك تكوني أنتِ الروح دي. عايزك تراقبي قراراتي، وتفكريني دايماً إننا بشړ قبل ما نكون أرقام.
نور بصت للورقة، كانت مكتوب فيها عرض بمرتب مكنتش تحلم بيه. بصت لهشام، وبصت لليلى اللي كانت قاعدة بتلعب في ركن المكتب، وحست إن الدنيا بدأت تضحك لها أخيراً.
موافقة؟ سأل هشام بابتسامة.
نور هزت راسها وهي مش قادرة تطلع كلمة، والدموع بدأت تلمع في عينيها.
إذن، دعينا نبدأ العمل. قام هشام ووقف قدام الإزاز، وقال النهاردة اتعلمت منك درس ما اتعلمتوش في أكبر جامعات الاقتصاد. إن اللي بيمتلك قلب سليم، بيمتلك الدنيا.
رن تليفون هشام، كان شغل كتير متراكم، بس هو بدل ما يتوتر، بص لنور وقال نور، تفتكري نقدر نخلي الشركة دي مكان يغير حياة الناس؟
نور وهي بتبص للفراشة البنفسجي اللي ليلى ادتهالها في المترو وقالت أعتقد إننا بدأنا فعلاً.
خرجت نور من المكتب، وعدت على الموظفين اللي كانوا بيشوفوها لا شيء
رجعت البيت في آخر اليوم، وفتحت الباب بلهفة. ماما! مش هتصدقي إيه اللي حصل!
حكت لأمها كل التفاصيل، والأم دمعت من الفرحة، مش بس عشان المرتب، بس لأن بنتها فضلت إنسانة في وسط طريق كان ممكن يخليها تقسى.
عدت الشهور، ونور غيرت شكل الشركة تماماً. بقيت المبادرات الإنسانية مش بس شعارات، بقيت واقع بتشوفه كل يوم. هشام اتغير، وليلى بقت بتعتبر نور أختها الكبيرة.
وفي حفلة كبيرة بعد سنة، وقف هشام على المسرح وقال قدام الكل قبل سنة، كنت فاكر إن النجاح هو الفلوس والشركات. لحد ما بنتي تاهت في المترو، ولقيت واحدة، ما كانتش بتملك غير قلب كبير، هي اللي رجعتها لي. نور حسن مش مجرد موظفة، نور هي اللي علمتني إزاي أكون بني آدم قبل ما أكون رجل أعمال.
الناس سقفوا كتير، بس نور كانت بتبص على ليلى في الجمهور وهي
بتلوح لها بإيديها.
خلصت الحفلة، ووقفت نور في البلكونة بتاع المكتب، بتشوف القاهرة من فوق، القاهرة اللي كانت پتخاف من زحمتها، بقت دلوقتي شايفاها مليانة فرص.
دخل عليها هشام وقالها لسه بتفكري في يوم المترو؟
ابتسمت وقالت كل يوم. لولا اللحظة دي، كنت ممكن أكون في مكتب تاني، بشتغل شغلانة تانية، ومكنتش هعرف يعني إيه إن الإنسان ممكن يغير حياة حد بكلمة طيبة.
هشام ضحك أظن إن ليلى لسه محتفظة بالاستيكر الفراشة اللي كان معاكي.
نور ضحكت وقالت وأنا لسه محتفظة بالدرس اللي اتعلمته في اليوم ده. إن الرحمة مش ضعف، الرحمة هي القوة الحقيقية.
وهكذا، في وسط زحمة القاهرة وصخبها، قدرت نور تثبت إن الخير بيقعد،
تمت