قالت حماتي إن أكلي زبالة 

لمحة نيوز


أكلها
دخل الثلاجة.
ورا العصير.
لدرجة إن أي حد يفتح التلاجة مش هيشوفه.
رجعت بصيت على السفرة.
كانت طالعة كأنها متصورة لمجلة.
ولو حد شافها
مستحيل يتخيل إن اللي فيها كله من إيدي أنا.
ابتسمت لنفسي
وقلت بصوت عالي
يا جماعة الأكل جاهز.
قعدنا كلنا على السفرة، واتقالت الدعوة، وبعدها الشوك خبطت في الأطباق.
وأول ما الناس داقت
حصل اللي كنت متوقعة يحصل بالظبط.
لأن الأكل الحلو عمره ما بيعرف المجاملات.
أخو كريم أخد أول لقمة، وبص حواليه وهو لسه بيمضغ وقال
يا نهار أبيض الحشوة دي حكاية!
واحدة من مرات أخواته قالت وهي بتدوق
الفرخة الرومي دي أحسن واحدة كلتها في حياتي.
وواحدة تانية قالت وهي مغمضة عينيها من كتر ما الأكل عاجبها
البطاطا دي إيه الجمال ده؟ عملتي فيها إيه السنة دي يا طنط؟
حماتي فضلت تبتسم وتهز راسها، وتلم كل كلمة مدح كأنها بتجمع دهب.
بس أنا كنت مركزة معاها هي.
أول ما داقت لقمة
وشها اتغير.
بسيط جدًا
بس أنا شوفته.
خدت لقمة تانية
وبعدين تالتة
وبدأت تبص للأكل باستغراب.
هي أكتر واحدة عارفة طعم أكلها
وعارفة إن اللي على السفرة
مش أكلها.
رفعت عينيها وبصتلي.
وأنا بصيتلها بابتسامة هادية، وكملت أكل عادي

جدًا.
في اللحظة دي، جدّة كريم قالت وهي مبسوطة
بجد يا أم كريم ده أحسن أكل عملتيه من سنين.
حماتي ابتسمت بالعافية وقالت
تسلمي.
بس صوتها كان مكسور.
سيبت الموضوع يكمل شوية.
كنت عايزاها تستوعب اللي بيحصل كويس.
مش شماتة
لكن لأن فيه ناس مبتفهمش غير لما الحقيقة تبقى قدامها.
ولما الكلام على السفرة هدي شوية
قمت واقفة.
ومسكت كوباية العصير.
وقلت
ممكن آخد دقيقة؟
الكل بصلي باستغراب.
أنا أصلًا مش من الناس اللي بتتكلم وسط العزومات.
ابتسمت وقلت
عايزة أشكر حماتي لأنها علمتني حاجات كتير طول السنين.
فيه كام واحد ضحك ضحكة خفيفة.
وكملت
وبرضه لأنها عمرها ما بطلت تقول رأيها في أكلي.
الجو بدأ يبقى متوتر.
لكن أنا كملت بنفس هدوئي.
وكمان لأنها كانت متأكدة إن أي حد هيأكل من أكلي النهارده هيطلع من السفرة متضايق.
سكتت ثانية
ورفعت طبق الرومي بإيدي.
وقلت
الرومي اللي كلكم من شوية قلتوا إنه أحسن رومي عملته أم كريم في حياتها
وبصيتلها مباشرة.
أنا اللي عملاه.
الدنيا كلها سكتت.
سكتة تقيلة.
بعدين أشرت على كل طبق قدامهم.
الحشوة
البطاطا
السلطات
الحلو
كل حاجة إنتوا أكلتوها ومدحتوها من أول ما قعدتوا أنا اللي عملاها.
كريم بقى
يبصلي
وبعدين يبص لأمه
كأنه أول مرة يشوف الحقيقة اللي كانت قدامه طول السنين.
أما حماتي
وشها قلب أحمر.
بهدوء شديد قلت
أما الأكل اللي حضرتيه
وأشرت ناحية المطبخ.
موجود في التلاجة ورا العصير.
لو حابة تطلعيه اتفضلي.
فضل الصمت ثانية
وفجأة أخو كريم انفجر ضحك.
وقال
لا والله! دي حركة جامدة جدًا.
وبدأ باقي الناس يضحكوا.
مش شماتة
لكن من الصدمة.
ولأول مرة
الناس بصت لحماتي بشكل مختلف.
مش باعتبارها ست البيت اللي محدش يقدر يكلمها
لكن باعتبارها واحدة كانت بتحاول تكسف مرات ابنها قدام الكل.
قامت حماتي بعصبية، والكرسي خبط في الأرض.
مسكت شنطتها وقالت بصوت مهزوز
أنا مش هقعد في مكان بيتعامل معايا بالطريقة دي.
كريم قام بسرعة وقال
يا ماما
لكن هي رفعت إيديها وقالت
ولا كلمة.
ولفت ومشيت.
وقفلت الباب وراها بعنف.
الغريب
إن أول ما خرجت
حسيت البيت كله ارتاح.
الناس رجعت تكمل أكل.
كل شوية حد يطلب يزود.
وكل شوية حد يسألني على وصفة.
كريم مسك إيدي من تحت السفرة.
افتكرت هيقولي
كان مالوش لازمة.
لكنه بصلي وقال
أنا آسف.
آسف إني سبتها تعاملك كده كل السنين دي.
الكلمة دي كانت أغلى عندي من أي اعتذار.
بعد ما العيلة كلها مشيت
أكتر
من شخص حضني وقال
كان لازم يحصل من زمان.
واضح إن الكل كان شايف
بس محدش كان عنده الجرأة يتكلم.
بعدها بأسبوع
تليفوني رن.
ولما شفت اسم حماتي
حسيت كتافي شدوا لوحدهم.
رديت.
قالت بصوت هادي عمره ما خرج منها قبل كده
يا ندى ممكن نتكلم؟
سكت.
قالت
أنا جاية أعتذر.
كنت غلطانة.
والأكل كان بصراحة ممتاز.
ابتسمت من غير ما تحس.
مش عشان انتصرت
لكن عشان دي أول مرة تعترف بالحقيقة.
وكملت
أنا من أول يوم حكمت عليكي، وفضلت سنين أحاول أثبت لنفسي إنك مش مناسبة لابني.
وده كان غلط.
ماكانش اعتذار مثالي.
ولا أنا سامحتها في نفس اللحظة.
لكن لأول مرة
هي شالت مسؤولية اللي عملته.
قلت بهدوء
شكرًا إنك اعترفتي.
قالت
نفسي أصلح اللي فات لو تديني فرصة.
ومن يومها
إحنا مش بقينا أصحاب.
لكن فيه حاجة اتغيرت.
بقت تخبط الباب قبل ما تدخل.
بطلت تعاملني كأني عيلة في بيتي.
وفي أول عزومة بعدها، قالتلي
أنا هجيب كام طبق وإنتِ اعملي الرومي بتاعك.
ولأول مرة
حسيت إن في صوتها احترام.
ويمكن الدرس الحقيقي ماكانش إنها عرفت إن أكلي حلو
الدرس إني لما بطلت أسمح لحد يقلل مني
كل حاجة حواليّا اتغيرت.
العيلة اتغيرت.
وجوزي اتغير.
وحتى هي
اتغيرت.
وساعتها
فهمت إن الحفاظ على السلام، ساعات كتير، بيكون مجرد اسم تاني للسكوت على الإهانة.
وفي اليوم ده
أنا ما رميتش أكل حماتي.
أنا بس
قدمت الحقيقة.
على أغلى أطباقها.

 

تم نسخ الرابط