الملياردير عمل نفسه نايم

لمحة نيوز


للحظة... لأنه من سنين طويلة محدش حضنه بالشكل ده.
لكن بعدها رفع إيده وربت على شعرها بهدوء.
ضحكت صوفيا وقالت المرة دي مش هرسم على وشك... أوعدك.
ضحك وقال بس ممكن ترسميلي لوحة.
قفزت من الفرحة.
وقعدت ترسم أكتر من ساعة.
ولما خلصت، ادته اللوحة.
كان فيها بيت كبير جدًا... لكن المرة دي، قدام البيت واقف تلاتة.
راجل.
وست.
وبنت صغيرة.
سألها بابتسامة مين دول؟
ردت بمنتهى البراءة إحنا.
سكت أدهم.
أما أمينة فاتغير لون وشها.
قالت بسرعة لا يا صوفيا... مينفعش تقولي كده.
لكن صوفيا قالت وهي مستغربة ليه؟ إحنا بقينا أصحاب.
أدهم حس بحاجة غريبة في قلبه.
إحساس افتقده من زمان.
إحساس إن فيه حد مستنيه يرجع البيت.
وفي نفس اليوم، وهو راجع من اجتماع مهم، اشترى لصوفيا شنطة ألوان كبيرة، وأرنب جديد يشبه بندق لأنه كان قديم ومقطوع من ودنه.
لما شافته، حضنت اللعبة الجديدة، لكن بعدها حطتها جنب بندق القديم.
ابتسم أدهم وسألها مش هتستغني عن القديم؟
هزت راسها بقوة.
لا... اللي بيحبنا وهو قديم، منسيبوش لما ييجي جديد.
اتجمد أدهم مكانه.
الكلمات البسيطة دي رجعته لذكريات أبوه... ولأشخاص خرجوا من حياته لأنه انشغل بالفلوس والشغل.
وفي تلك اللحظة، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة...
وكان اسم المتصل كفيلًا إنه يقلب هدوء البيت كله في ثوانٍ.
سامي المنشاوي...
أخوه الأكبر، الذي اختفى من حياته منذ خمس سنوات، ولم يتصل به ولو مرة واحدة أدهم فضل يبص لاسم أخوه على شاشة الموبايل كام ثانية، قبل ما يرد.
ألو.
جاله صوت سامي بارد كعادته.
لازم أشوفك النهارده.
بعد خمس سنين افتكرت إن ليك أخ؟
الموضوع مش تليفون يا أدهم... الموضوع يخص أبوك.
اتسعت عينا أدهم.
أبوه مات من سنتين، وكل اللي بينهم انتهى يوم الجنازة.
قال بحدة أبويا مات.
رد سامي في حاجة سابهالنا... ومحدش كان يعرف عنها.
...
بعد ساعة، كان أدهم في مكتب المحامي.
سامي كان واقف،

وشعره غزاه الشيب، لكن ملامحه ما زالت كما هي.
المحامي فتح ظرفًا قديمًا وقال دي وصية متأخرة، كانت مع أحد أصدقاء والدكم، وسلمها لينا بعد وفاته.
بدأ يقرأ
لو بتقرأوا الرسالة دي، يبقى أنا فشلت أكون أب كويس ليكم... وانشغلت بجمع الفلوس لحد ما خسرت ولادي.
سكت المحامي لحظة، بينما انخفضت عينا سامي.
وأكمل
الثروة ممكن تبني أبراج... لكنها عمرها ما تبني عيلة.
أدهم شعر بغصة في حلقه.
كانت أول مرة يسمع أبوه يعترف بخطئه، حتى لو بعد موته.
وفي آخر الرسالة، كانت هناك جملة واحدة
الفيلا الكبيرة متتباعش... افتحوها لدار رعاية للأطفال اللي ملهمش بيت. يمكن تكفر عن تقصيري.
ساد الصمت.
خرج سامي من المكتب وهو بيقول أنا ماليش في الأعمال الخيرية... خد الفيلا واعمل اللي إنت شايفه.
ورحل.
أما أدهم، فعاد إلى الفيلا وهو شارد.
أول ما دخل، سمع ضحكة صوفيا وهي بتجري في الجنينة.
وقفت قدامه وقالت وهي شايلة رسمة جديدة
بص يا عمو... رسمتك وإنت بتضحك.
أخذ الرسمة منها، ثم نظر إلى الفيلا الواسعة.
وتذكر كلمات والده.
ابتسم وقال لأمينة
من بكرة... البيت ده مش هيبقى بيتي لوحدي.
استغربت.
يعني إيه يا باشا؟
قال وهو ينظر إلى صوفيا
هيبقى بيت لكل طفل محتاج يحس إن له مكان... وإن فيه حد مستنيه.
اغرورقت عينا أمينة بالدموع.
أما صوفيا، فلم تفهم كل الكلام.
كل اللي فهمته إنها جرت ناحيته، أمسكت يده الصغيرة، وقالت بابتسامة
يبقى البيت بقى كبير... عشان القلب كبر.
ابتسم أدهم، وأدرك أن أعظم استثمار في حياته لم يكن مشروعًا ولا برجًا ولا صفقة...
بل إنسانية أعادتها إليه طفلة صغيرة، دخلت بيته وفي يدها فرشة رسم، وغيرت حياته إلى الأبد بعد ستة شهور...
الفيلا اللي كانت زمان ساكتة، بقى صوت ضحك الأطفال مالي كل ركن فيها.
الجنينة اتملت مراجيح.
وأوض الضيوف اتحولت لغرف مريحة للأطفال.
والسفرة الكبيرة اللي عمرها ما اتفرش عليها أكل،
بقى حواليها كل يوم أكتر من عشرين طفل بيضحكوا ويحكوا.
أدهم كان كل يوم ينزل يفطر معاهم قبل ما يروح شغله.
ولما كان يرجع، أول صوت يسمعه هو
عمو أدهم جاااا!
فيجري عليه الأطفال كلهم.
لكن أكتر واحدة كانت بتسبقه...
صوفيا.
في يوم، وهو قاعد بيبص عليهم بيلعبوا، لاحظ إن أمينة كانت ساكتة على غير عادتها.
قرب منها وقال
مالك؟
ابتسمت ابتسامة باهتة.
أنا جاية أقول لحضرتك إن دي آخر أسبوع ليا هنا.
اتغيرت ملامحه.
آخر أسبوع؟ ليه؟
قالت وهي بتتنهد
لقيت شغل في محافظة تانية... المرتب أحسن بكتير، وأنا محتاجة أوفر مستقبل لصوفيا.
سكت أدهم.
كان المفروض يفرح لها.
لكن قلبه اتقبض.
سأل بهدوء
وصوفيا؟
هتيجي معايا طبعًا.
في نفس اللحظة، كانت صوفيا بتجري ناحيتهم.
أول ما شافت وش أدهم، سألت
هو أنا عملت حاجة غلط؟
ركع قدامها وقال بابتسامة بيخبي وراها وجعه
لا يا بطلة... بس ماما بتقول إنكم هتسافروا.
سكتت.
وبعدين حضنت بندق بقوة.
وأنت هتيجي معانا؟
ابتسم وهو بيهز رأسه.
شغلي هنا.
فضلت تبص له ثواني...
ثم دموعها نزلت لأول مرة من يوم عرفها.
بس... إنت وعدتني إن البيت ده هيبقى بيتي.
الكلمة دي كسرت قلبه.
بص لأمينة، وقال بهدوء
ممكن آخد منك خمس دقايق؟
خرجوا الجنينة.
وقال لها
المرتب اللي هناك كام؟
قالت الرقم.
رد من غير تردد
أنا هدفعلك ضعفه.
بصتله بدهشة.
يا باشا... أنا...
قاطعها
مش عشان الشغل.
سكت لحظة، ثم أكمل
عشان صوفيا بقت بنت البيت ده... وأنا مش عايزها تحس إنها بتسيب بيتها للمرة التانية.
نزلت دموع أمينة.
وقالت بصوت مكسور
حضرتك أول إنسان يبص لبنتي كأنها مكسب... مش عبء.
ابتسم أدهم.
وفي اللحظة دي...
سمعوا صوت عربية فاخرة وقفت قدام بوابة الفيلا.
نزل منها رجل في الخمسينات، أنيق جدًا، وخلفه محامٍ يحمل ملفًا كبيرًا.
سأل الحارس
الأستاذ أدهم المنشاوي موجود؟
خرج أدهم يستقبله.
الرجل بص لصوفيا أولًا...
ثم اتجمد
مكانه.
وعيناه امتلأتا بالدموع.
وقال بصوت مرتعش
مستحيل...
دي... دي نسخة من بنتي ليلى... اللي اختفت من 25 سنة اتجمد المكان كله.
أمينة ضمت صوفيا بسرعة، وقالت بحدة
حضرتك تقصد إيه؟
الرجل قرب خطوة، لكنه وقف لما شاف خوف الطفلة.
قال بهدوء
متخافوش... أنا مش جاي آخد حد. لكن أول ما شوفتها... حسيت إني رجعت 25 سنة لورا.
فتح المحامي الملف، وأخرج صورة قديمة.
كانت لطفلة صغيرة بشعر بني كيرلي، وابتسامة بريئة.
الشبه كان واضحًا... لكنه لم يكن تطابقًا.
أخذ أدهم الصورة، وبص لأمينة.
سألها
إنتِ تعرفيه؟
هزت رأسها بسرعة.
لأ... أول مرة أشوفه.
تنهد الرجل وقال
اسمي فؤاد السيوفي. بنتي ليلى اتوفت وهي عندها أربع سنين بسبب مرض نادر. ومن يومها وأنا كل ما أشوف طفلة شبهها... قلبي يوجعني.
ساد الصمت.
ثم نزل الرجل على ركبتيه أمام صوفيا، وابتسم لها.
ممكن أشوف الرسمة اللي في إيدك؟
بصت صوفيا لأمها.
لما هزت أمينة رأسها بالموافقة، مدت له الورقة.
فتحها، وابتسم والدموع في عينيه.
قال
عارفة... بنتي كانت بتحب ترسم شمس كبيرة زي دي.
ثم أغلق الملف، وقال لأدهم
أنا سمعت عن الدار اللي عملتها هنا. وجيت النهارده لأن عندي مؤسسة خيرية، وعايز أشارك معاك في توسعتها... مش عشان المبنى.
ونظر إلى صوفيا.
عشان الأطفال يفضل عندهم أمل... زي ما هي رجعتهولي للحظة.
ابتسم أدهم ومد يده يصافحه.
ومنذ ذلك اليوم، بدأت الدار تكبر.
وأصبحت تستقبل عشرات الأطفال، مع مدارس صغيرة، وعيادة، وحديقة مليئة بالألعاب.
أما صوفيا...
فكانت كل صباح تجري في الممرات وهي تنادي
عمو أدهم... تعالى شوف رسمتي الجديدة!
وكان أدهم يبتسم في كل مرة، لأنه تذكر أول يوم تظاهر فيه بالنوم ليكشف حقيقة الناس...
فاكتشف بدلًا من ذلك حقيقة نفسه.
واكتشف أن أغنى إنسان ليس من يملك المال...
بل من يجد قلبًا صغيرًا يعيد إليه الحياة. تمت بعد ثلاث سنوات...
كانت دار الأطفال
بقت من أشهر دور الرعاية في مصر.
والفيلا اللي كانت يومًا رمزًا للوحدة، بقت رمزًا للأمل.
وفي احتفال كبير بمناسبة افتتاح مبنى جديد، وقف أدهم على المسرح يلقي كلمة.
وقبل ما يبدأ، لمح
 

تم نسخ الرابط