صندوق جوزي حكايات نور محمد

لمحة نيوز

جوزي مات فجأة، وسابني لوحدي ب تلات أطفال. بعد العزا ما خلص، حمايا إداني صندوق خشب مقفول بقفل نحاس وقالي طارق حلفني أمانة ماسلمكيش الصندوق ده غير لو حصله حاجة.
طول عمري كنت بعتبر نفسي ست محظوظة.
متجوزة راجل بيحبني وبيخاف عليا، وعندي تلات ولاد زي القمر، وبيت دايماً مليان دفا وحياة.
من اتناشر سنة اتعرفت على طارق، وبعدها بسنة ونص اتجوزنا. ربنا رزقنا ب يوسف، وليلى، وعمر.
الحياة مع تلات أطفال كانت دوشة وزحمة وتفاصيل مابتخلصش، بس دي كانت أسعد أيام حياتي. طارق كان هو وتد البيت ده، ضهره وسنده، والضحكة اللي بتنور أيامنا.
لحد ما جه يوم تلات عادي جداً، وكل حاجة اتشقلبت.
طارق نزل شغله الصبح وهو بيشتكي من وجع بسيط في صدره. قالي ده شوية إرهاق من ضغط الشغل، ومادينهاش اهتمام كبير. على الضهر جالي تليفون من المستشفى.. أزمة قلبية حادة.

مفيش ٤٨ ساعة، وكان طارق سابني وساب الدنيا كلها.
لحد اللحظة دي، وأنا بكتب الكلام ده، حاسة إني في كابوس. فراقه كسرني وقطم ضهري. بس كنت كل ما أبص لولادي وهم بيبكوا، أقول لنفسي لازم أقف على رجلي وأصلب طولي عشانهم.
الأيام اللي بعد العزا عدت عليا كأنها ضباب. بحاول أواسي تلات عيال قلبهم مكسور على أبوهم، وأنا أصلاً محتاجة اللي يسندني.
لحد ما في يوم بعد الضهر، لقيت عم محمود حمايا بيخبط على الباب. توقعت إنه جاي يطمن على الولاد زي عادته.
لكنه دخل بصمت غريب، وقعد على كنبة الصالون، وطلع من شنطته صندوق خشب صغير مقفول بقفل قديم، وحطه قدامي على الترابيزة.
بصلي وعنيه مليانة دموع وقال بصوت واطي ومخنوق
طارق ساب الأمانة دي معايا من ٥ سنين، وحلفني ميتفتحش ولا تستلميه غير لو هو مبقاش موجود في الدنيا.
فضلت باصة للصندوق ومبرقة، مش قادرة أستوعب.

طارق كان شاب في عز صحته ومكنش بيعاني من أي مرض، إيه اللي يخليه يجهز حاجة زي دي من سنين ويشيلها مع أبوه؟!
حمايا زق الصندوق ناحيتي شوية وحط جنبه المفتاح.
هو كان حاسم جداً في الموضوع ده ووصيته كانت واضحة. قالها حمايا قبل ما يستأذن ويمشي.
بعد ما مشي، فضلت قاعدة مكاني بالساعات عيني على الصندوق، مش قادرة أهز طولي ولا أطرد الإحساس المرعب اللي سيطر عليا إن في حاجة غلط.. حاجة غلط جداً.
ولما أخيراً جمعت شجاعتي، مسكت المفتاح وإيديا بتترعش وفتحت القفل.. وأول ما عيني جت على الحاجة اللي طارق كان سايبها جوه، حسيت إن الدم كله هرب من جسمي.. الإحساس بالصدمة شل تفكيري. اللي شفته جوه الصندوق مكنش مجرد سر.. ده كان كارثة بتمسح كل حاجة عشتها معاه في السنين اللي فاتت!
الكاتبه_نور_محمد
لقيت جوه الصندوق رزمة ورق متدبسة، وأول ورقة فيهم كانت عبارة
عن عقد رهن لشقتنا اللي إحنا قاعدين فيها ومتربيين فيها ولادنا! وتحته كمية إيصالات أمانة بمبالغ مرعبة.. ملايين! وكلها ممضية بخط إيد طارق ومبصوم عليها، وتواريخها بترجع ل ٥ سنين ورا.
حسيت إن الأكسجين اتسحب من الأوضة، والدنيا اسودت في عيني. طارق؟ جوزي العاقل، الحنين، اللي كان دايماً بيعلم ولاده الأمانة والحرص.. كان مديون ومورطنا في كل المبالغ دي؟ رهن سقف بيتنا اللي بيأوينا؟
شريط ذكرياتي معاه في الخمس سنين دول بدأ يمر قدام عيني.. سهره الطويل في الشغل، سفرياته اللي زادت، إرهاقه الدايم، ولما كنت أعاتبه كان يبتسم ويقولي بأمن مستقبل الولاد يا نور عيني.
أتاري كان بيسدد ديون؟ أتاري كان بيلعب قمار ولا دخل في صفقات مشبوهة ورمانا في الشارع وعرضنا للحبس والتشرد؟
الغضب والخذلان عموا عيني. حسيت إن طارق كدب عليا في كل لحظة عشناها، وإن
الأمان اللي عشته معاه
تم نسخ الرابط