عزومة حماتي حكايات زهرة حصري

لمحة نيوز


​حماتي بقا موقفها بائس، خال أحمد ينادي تاني من آخر الصالة:
— "إيه يا أختي! عزمانا على حبة هواء ولا إيه؟ فين السفاري والصواني اللي كنتِ بتتفشخرِي بيها وتدعينا عليها؟"
​حماتي مسكت رأسها وأخدت أحمد من إيده ودخلوا المطبخ. طبعاً أنا كضيفة محترمة، قمت وراهم بالراحة عشان أستمتع بالفيلم، وقفت عند باب المطبخ وسندت كتفي على الباب.
​— "البت دي بتستعبط يا أحمد! البت هتفضحنا قدام قرايبنا وناسي! اطلب دليفري.. اطلب كباب وكفتة للناس دي كلها فوراً!" حماتي كانت بتتكلم وهي بتصرخ بصوت واطي ومذعورة.
​أحمد طلع تليفونه، وبص في محفظته وفي الأبلكيشن، وبعدين بص لأمه وقالها بصدمة:
— "أطلب دليفري لإيه يا أمي؟! أنتِ عارفة أنتِ عازمة كام واحد؟ دول ييجي 30 بني أدم! دليفري للعدد ده في الوقت ده هيتكلف مبلّغ وقدره، وأنا معيش المبلّغ ده حالياً على جنب، ولا عامل حسابه!"
​حماتي صرخت:
— "تصرف! اتصرف من تحت الأرض! هات من على الفيزا.. اتصرف يا أحمد فضيحتنا بقت بجنيه!"
​أحمد بص لأمه بحدّة، لأول مرة في حياته يقف وش لوش قدامها بالمنظر ده:
— "أتصرف منين يا أمي؟ مش أنتِ اللي عزمتِ كل دول من ورا مراتي؟ مش أنتِ اللي كل مرة تدخلي بقلة قيمة وتلغِ وجودها وتصغريه قدام

الناس وتقوليلها أنتِ ضيفة؟ أهو شربي من نفس الكأس! مراتي طلعت أذكام منك.. وحقها!"
​حماتي بصتلي بذهول، وهي مش مصدقة إن ابنها اللي كان دايماً يطبطب ويقول "عديها يا بنت الحلال" واقف ضدها.
​بصيت لها وقلت بمنتهى البساطة:
— "معلش يا طنط.. حل المصيبة دي عندك. ممكن تطلعي تطلبي من قرايبك وحبايبك اللي عزمتيهم يروحوا يطعموا نفسهم بره، أو تقفي تطبخي لهم دِلوقتي.. بس للأسف، الثلاجة فاضية لأنك ما بلغتنيش بأي تسوّق!"
​أنا طبعاً كنت منظمة خطتي صح؛ الثلاجة مفيهاش غير بيض وجبنة وعصاير! كل الخضار واللحوم اللي كانت عندي نقلتها من إمبارح بالليل عند بيت أختي في الشقة اللي جنبنا!
​الموقف بقى كارثي بالنسبة لها. الوقت بيعدي، والناس بره بدأت تتذمر، والاطفال يعيطوا من الجوع. خال أحمد دخل المطبخ بنفسه:
— "إيه يا جماعة؟ هو فيه إيه بالضبط؟ كأننا جايين عزومة غفلة ولا إيه؟"
​ساعتها، حماتي مقدرتش تستحمل، وعيونها اتملت دموع الفضيحة والحرج. طأطأت رأسها وقالت بصوت مكسور:
— "حقك عليا يا أخويا.. أصل.. أصل..."
​تدخلت أنا بسرعة وابتسامة ذكية:
— "أصل طنط يا خالي كانت حابة تفاجئكم وتعمل العزومة كلها بنفسها من الألف للياء في بيتي، بس للأسف الوقت سرقها وتعبت فجأة
ومش قادرة تقف على رجلها!"
​خال أحمد بص لحماتي وقالها بغضب:
— "ولما أنتِ تعبانة ومش قد العزائم، بتعزمي خلق الله ليه وتدبسيهم وتدبسي ابنك ومراته؟! ما كنتِ سيبتي مرات ابنك هي اللي ترتب وتنظم براحتها وتعرف راسها من رجليها!"
​الكلمة نزلت على حماتي زي الصاعقة. الخال نزل المطبخ وقال:
— "خلاص يا جماعة، مفيش مشكلة. أحمد يا ابني، اطلب لنا سندوتشات فول وطعمية وناكل ونحمد ربنا.. أو كل واحد يتوكل على الله ويروح بيته!"
​طبعاً حماتي وشها بقى في الأرض من كسرة النفس، العزومة الفخمة اللي كانت عاوزة تتفشخر بيها قدام العيلة كصاحبة البيت والعمدة، انتهت بسندوتشات فول وطعمية وبطاطس من المحل اللي تحت العمارة، وأنا قاعدة بكل شياكة بوزع البيبسي عليهم وبقول للناس:
— "معلش بقا يا جماعة، طنط هي اللي أصرت تدبر اليوم بطريقتها الخاصة، الجود بالموجود!"
​بعد ما اليوم الخرافي ده خلص، وكل الضيوف مشيوا وهما ببيتهامسوا ويضحكوا على اللي حصل، الشقة فضيت.
​حماتي كانت قاعدة على الكنبة، الميك أب بتاعها سايح، وكسرة النفس باينة في عينيها. أحمد دخل قعد جنبها وقالها بمنتهى الهدوء:
— "شفتِ يا أمي؟ شفتِ لما تتدخلي في بيت مش بيتك وتلغي وجود صاحبة البيت؟ سهام شالت البيت
ده وخدمتك وخدمت قرايبنا سنين، وكانت بتستحمل تقليلك منها قدام الناس.. بس لكل شيء نهاية. اللي حصل النهارده درس لينا كلنا."
​حماتي بصتلي، ولأول مرة أشوف في عينها نظرة احترام مدموجة بالخوف! عرفت إن الكائن الهادي اللطيف ده لما بيقرر يترجم غضبه، بيقلب السحر على الساحر من غير ما يرفع صوته ولا يخسر أصلها.
​قربت منها، وقدمت لها كوباية مية دافية وقلت لها بنبرة هادية خالص:
— "البيت ده بيتك يا طنط على راسنا من فوق، وتنورينا في أي وقت.. بس كـ 'أم' و' ضيفة عزيزة' على قلوبنا.. إنما العزائم، والطبخ، والترتيب، وتحديد مين يدخل ومين ميدخلش.. ده شغلي أنا بس في بيتي. اتفضلي اشربي المية."
​أخدت مني الكوباية بإيد بتترعش، وقالت بصوت واطي جداً:
— "حقك عليا يا سهام.. أنا آسفة يا بنتي."
​ومن اليوم ده.. حماتي اتغيرت 180 درجة. بقت لما تعوز تعزم حد، تتصل بيا قبلها بأسبوع، وتقولي برجاء:
— "سهام يا حبيبتي، ينفع أعزم فلان وفلان عندك؟ ولا وراكي حاجة ومش فاضية؟"
​وأنا طبعاً أبتسم وأقولها: "من عينيا يا طنط.. البيت بيتك، بس المرة دي.. أنا اللي هطبخ بنفسي!"
​العبرة: الأحترام مبيتطلبش، الاحترام بيتفرض.. والحدود العاطفية في البيوت مش قلة أدب، دي الحماية الوحيدة
اللي بتحفظ البيوت من الانهيار!

 

تم نسخ الرابط