كنت رايحه ادي ابني
يا مدام... أوعي تدي محمد فلوس بيع البيت دلوقتي. في حاجة أخطر بكتير لازم تعرفيها.
وفي آخر الرسالة...
اسم واحد بس.
نعمة.
في اللحظة دي...
الحاجة أم محمد فهمت إن اللي سمعته قدام أوضة المستشفى...
ما كانش إلا أول خيط في سر كبير جدًا...
ولسه الأسوأ جاي.
فتحت أم محمد الرسالة، وعينيها متثبتة على اسم نعمة كأنه حفر نفسه في الشاشة. قلبها دق بنبض غريب؛ مش وجع زي الأول، لكنه نوع من الفضول المرير الممزوج برغبة قاطعة في معرفة الحقيقة للآخر.
مسكت الموبايل وإصبعها بيتردد ثواني، قبل ما تكتب رسالة رد قصيرة وجريئة
مين نعمة؟ وإيه اللي أخطر من اللي سمعته؟
معدتش دقايق، والرنّة رجعت تاني برسالة جديدة
أنا مرات محمد السرية... واللي خباكي فيه أكبر من مجرد تمثيلية مرض. تعالي العنوان ده دلوقتي لوحدك... وهوريكي بعينكِ المستندات اللي تثبت إنكِ مش بس خسرتي بيتك، ده لسه فيه كارثة تانية باسمك.
الصدمة الكبرى
أم محمد مفرمتش
ثانية واحدة تفكير. ركبت عربيتها، وبنفس الإصرار اللي خلتها تبيع بيتها بكل صلابة، ساقتها الكرامة المهدورة والوجع لحد العنوان المبعوث
طلعت الدور التالت، وخبطت على الباب خبطات خفيفة.
فتحتلها ست في أواخر الثلاثينات، ملامحها باين عليها التعب والوجع، وعيونها مليانة دموع متحجرة. دخلت أم محمد وسألت بصوت ناشف
أنا أم محمد... فين نعمة؟ وإيه اللي ابني عمله تاني؟
عيطت الست وقالت بصوت مكسور
أنا نعمة... البنت اللي كنتِ سمعتيها بتسأله في التليفون وتقوله مش حاسس إن اللي بتعمله حرام؟.
قعدت أم محمد على أول كرسي بصمت تام، ونعمة فتحت درج مكتب وطلعت أوراق رسمية وتوكيل عام شامل.
محمد مش مريض يا حاجة... ولا فيه عملية من أساسه. الفلوس اللي كان بيطلبها منك السنين اللي فاتت، واللي جمعها عشان مشروعه الوهمي، كان بيدفعها هنا... لشقة تانية، ولعربيات باسمه، ولحياة تانية خالص.
بلعت أم محمد ريقها بمرارة، وسألت بصوت يكاد يكون مشهود
والبيت؟ شيك المليون جنيه.. قصدي العشرة مليون.. هل كان ناويا يسرقه بس؟
نعمة هزت راسها برعب وقالت
الأسوأ من كده يا أمي... محمد ماكتفاش ببيعك لبيتك، ده كان عامل توكيل مزور من سنة، ومستغل بصمتك على أوراق قديمة على أساس إنها
الهواء اختفى من أوضة الاستقبال. أم محمد حست بصاعقة نزلت على دماغها. ابتهاجها المزيف بسذاجتها تحول لغضب ناري هادئ، غضب الستات اللواتي كسرن المستحيل وعمرهم ما انكسروا.
المواجهة
في اليوم التاني، وفي نفس المستشفى، وقف محمد قدام باب الأوضة، باصص لساعته بقلق. أمه اتأخرت عن ميعاد تسليم الشيك بنص ساعة كاملة، وده مش متعود عليه.
فجأة، لقى أمه جاية من بعيد.
كانت ماشية بظهر مستقيم، وبخطوات ثابتة وواثقة، لابسة عبايتها النظيف وتعب السنين متحول في عيونها لنظرة حادة حارقة.
جري عليها بابتسامة صفراء مزيفة وقال بقلق مصطنع
ياااه يا أمي! خوفتيني عليكي.. الدكتور كان لسه بيسأل عنك وعن الشيك عشان ندخل العمليات فوراً!
وقفت أم محمد قصاده بالضبط.
رفعت راسها وبصت في عيونه مباشرة.. عيون مكنش فيها أي دمعة واحدة.
قالت بصوت هادئ وبنبرة جمّدت الدم في عروقه
عمليات إيه يا محمد؟ وأنت أصلاً صحتك حديد،
اتلون وش محمد، وابتسامته اختفت في ثانية وبان عليه الرعب
أ.. أمي.. أنتِ بتقولي إيه؟ كلام مين ده؟!
فتحت أم محمد شنطتها، وطلعت الشيك ببطء شديد، وقطعته نصين قدام عيونه.. وبعدين نصين تانيين، ورمتهم على الارض قدام جزمته.
وقالت بصوت عالي خلى الممرضات والناس اللي في الممر يلتفوا حواليهم
البيت اللي اتباعت طوبته، والشيك اللي كنت مستنيه.. بقوا برا ديرتك يا ابن بطني. وبلغ العروسة اللي مستنياكِ في الشقة التانية، إن الست اللي كانت خزنة مفتوحة، قفلت البنك للأبد.. وفتحت قضية تزوير تطير التوكيلات وتوديك ورا الشمس.
اتبلع ريقه، وحاول يمد إيده يمسك دراعها وهو بيترعش
يا أمي اسمعيني، الشيطان وسوسلي، أنا ابنك الوحيد!
بعدت إيده عنها باشمئزاز، وعدلت طرحتها، وقالت بابتسامة حاسمة
ابني مات قدام أوضة 12.. والست اللي واقفة قدامك دي، مابتورثش عايشين.
سابته واقف قدام الناس ملسوع في صدمته، ولا عارف ينطق حرف ولا يبرر جريمة، ومشيت بخطوات واسعة وواثقة.. خارجة من المستشفى، ولأول مرة من سنين طويلة..