اخويا الكبير حكايات نور محمد
خالي حسين مكنش مرعوب خالص.. بالعكس، ابتسامة غريبة وهادية ظهرت على شفايفه، وقام وقف بكل ثقة، وهو بيقولي بهدوء تام وكأنه كان منتظر اللحظة دي بالظبط
خله يكسر براحته.. أهلاً بسي محمود في بيتك الجديد!
خالي حسين مبانش عليه أي خوف ولا ارتباك، بالعكس، مشي بهدوء وثبات لحد ما وقف قدام باب الشقة، ومد إيده فتح اللوك والترباس، وفتح الباب على مصراعيه مرة واحدة.
بره كان محمود واقف وشكله يهد الحيط من العصبية والغضب، وعينيه طايرة في راسه، ووراه مراته سماح وراجل تاني غريب أول مرة أشوفه، وشكله كده سمسار أو محامي تعبان جابوه عشان يخلصوا بيه مصلحة سريعة. محمود أول ما شاف خالي حسين واقف في وشك، بلع ريقه وسكت ثانية واحدة من هيبة خالي، بس رجع فتعصب أكتر وزعق بصوت عالي ملا الشقة
أنت! إنت خبيت البت دي فين؟ وهات المفاتيح والورق اللي سرقوه من الخزنة فوراً، أقسم بالله لو مخرجوش دلوقتي لأكون مبهدلك ومطلع سمسمتك على عينيكم كلكم!
خالي حسين متهزاش، وفضل واقف حاطط إيديه في جيبه بكل برود، وبصله بنظرة حادة خلت محمود يرجع خطوة لورا من غير ما يحس. وقال خالي بصوت هادي وواضح زي الصخر
توطي صوتك وأنت واقف في بيتي يا محمود.. وتاني
سماح مرات محمود متقدرش تسكت، دخلت بلسانها السليط وقالت بسخرية وقحة
يا سلام! أصحاب البيت كمان؟! البيت ده بتاع جوزي وبتاعنا غصب عن الكل، والبت أختك دي شطبت وخلصت، جات تجري على خالها العجوز عشان تطمع في ورث أخوها! يلا يا فقرية هاتي شنطتك وارجعي اعدي على السطوح فوق، إحنا محتاجين الشقة لناس تانية!
هنا.. حسيت إن روحي انتفضت. مبقتش قادرة أسكت ولا أخاف. سيبت يوسف نايم جوه في الأمان، وطلعت وقفت جنب خالي حسين، وبصيت في عين محمود وسماح وقلت بصوت ثابت أول مرة يطلع مني
فقرية؟! أنا بقيت فقرية يا محمود؟ ده أنت طلعت ولا حاجة.. ولا تملك حتى الطوب اللي واقف عليه!
محمود اتجنن، وصرخ فيا
انتي جنيتي يا بت؟! ده أنا أطردك وأرميكي في السجن وألفقلك قضية سرقة تخليكي تندمي!
طلع خالي حسين الظرف الأحمر من جيبه بهدوء شديد، وطلع منه عقد البيع الأصلي والتوكيلات الشاملة، ورفعها قدام عيون محمود وقال بنبرة قاطعة
اقرأ يا شاطر.. اقرأ اسم مين مكتوب بختم الشهر العقاري ونيابة عن مين! أبوك الله يرحمه كتب
محمود وسماح اتجمدوا في مكانهم.. عيونهم طلعت لبرا كأنهم شافوا عفريت. محمود خطف الورق من إيد خالي وبص فيه بعينين مزغللة، وقعد يقرأ ويحاول يكذب عينه
لأ.. لأ مستحيل! أبويا.. أبويا ميعملش كده! الورق ده ضرب.. كدب!
الراجل الغريب اللي كان معاه واللي طلع محامي يعرفوه بص في الأوراق وتأمل الأختام كويس، وبعدين بص لمحمود وقال بأسف
للأسف يا بشمهندس محمود.. الأختام حقيقية مئة بالمئة، والعقد موثق رسمي وساري، البت.. قصدي المدام نور هي المالكة الوحيدة للبيت كله قانوناً، وأنت كده تعتبر قاعد بصفة غير قانونية وممكن تطلع من هنا بطرد قضائي فوري!
سماح صرخت ووقعت على الكرسي من الصدمة، وقعدت تلطم وتولول
يعني ضاع البيت؟! يعني طردنا أختك وهي طلعت صاحبة الملك وبقينا على الحديدة؟!
محمود بصلي نظرة رجاء وانكسار، نظرة عمر ما كنت أتخيل إني أشوفها في عينه يوم ما طردني أنا وابني اليتيم في عز الحر. قرب مني وخطى خطوات مهزوزة وقال بصوت مكسور
يا نور.. يا اختي.. دي عيشة بينا.
بصيت له نظرة طويلة.. افتكرت دمعة ابني يوسف وهو جعان، وافتكرت قهرتي وأنا شايلة شنطتي وواقفة على السلم، وافتكرت بروده وهو بيقفل الباب في وشي. بس في نفس الوقت، حسيت بقلبي الابيض اللي مبيرضاش بالظلم، وقلت له بهدوء وثبات
أنا مش زيك يا محمود.. أنا عمري ما هرمي حد في الشارع، ولا هعامل ابنك بالطريقة اللي عملت بيها ابني.. البيت ده بتاعي، والشرع والقانون بيقولوا كده، بس أنا هأجر ليك الشقة اللي كنت ساكن فيها بعقد رسمي وبإيجار رمزي، عشان تتربا وتعرف إن الظلم مبيعديش، وإن ربنا بيمهل بس مبيملش.
محمود نزل دمعة من عينه بندم حقيقي، وسماح سكتت تماماً وبقت تبص للأرض بخزي وعار. خالي حسين ابتسم ابتسامة فخر وباس راسي وقال
طيبة قلبك هي اللي هتكسبك يا بنتي دائماً.
بعد أيام.. رجعنا لبيتنا أنا وابني يوسف، دخلت من الباب الكبير مرفوعة الراس، ومعايا سند ظهر وراجل عظيم زي خالي حسين. محمود التزم ودخل في حاله، وبقى يحترم ابني يوسف ويعامله كأنه أخوه الصغير مش ابن أخته، وعرفت إن الدنيا دار ممر، وإن حق المظلوم عمره ما بيضيع