جوزى وحماتى

لمحة نيوز

لقيت أم حسن، الست اللي شغالة عندنا من أكتر من خمستاشر سنة، واقفة ووشها أصفر، والمقشة وقعت من إيديها، ودموعها نازلة.

قالت وهي بتعيط:

— سامحيني يا مدام ياسمين... أنا كنت عارفة إن آدم بيعرف يتكلم.

بصيتلها وأنا مش فاهمة أي حاجة.

فجأة نزلت على ركبها.

— أنا اللي كنت بعلمه الكلام في السر... كل ما حضرتك تنزلي الشغل، كريم كان يهدده. يقوله لو اتكلم هياخده بعيد عنك، ومش هتشوفيه تاني أبدًا... عشان كده فضل عامل نفسه أبكم.

آدم سكت لحظة... وبعدها رفع كم البيجامة.

قلبي وقع.

على دراعه كانت باينة آثار صوابع وحد ماسكه بعنف.

همس وهو بيبص في الأرض:

— بابا قال... أول ما ماما تموت، هياخدني مكان محدش يعرف يلاقيني فيه.

مسكت علبة الكبسولات بقوة لدرجة إن صوابعي وجعتني.

في أقل من خمس دقايق...

الراجل اللي كنت فاكرة إنه أحن وأخلص إنسان في الدنيا، اتحول قدامي لوحش.

ساعتها مدت أم حسن إيديها وطلعت حاجة من جيب المريلة.

وقالت:

— ولقيت دي كمان تحت كرسي العربية بتاعته قبل ما يمشي.

حطت في كفّي كارت ميموري صغير جدًا.

وقتها حسيت إن اللي جاي... أخطر بكتير من أي حاجة كنت متخيلاها..... 

مديت إيدي وخدت كارت الميموري، وصوابعي بتترعش كأنها لمست سلك ضغط عالي. بصيت

لأم حسن بعيون تمليها حيرة ورعب، وقلت بصوت مش منمّق:
— تعالي معايا على المكتب... بسرعة.
دخلنا وقفلنا الباب. حطيت الكارت في اللابتوب بتاعي، وقلبي كان بيدق كأنه تايمر لقنبلة. ثواني وظهرت الملفات: فيديوهات صوت وصورة من كاميرات مراقبة مخفية زرعها كريم جوه أوضة النوم والمكتب، وتسجيلات مكالمات صوتية واضحة كالشمس.
شغلت أول تسجيل، وسمعت صوت كريم بيكلم أمه ببرود وثقة تقشعر لها الأبدان:
— اطمني يا أمي، كل حاجة ماشية زي ما خططنا. الشركة باسمها والتوكيلات العامة في جيبي من زمان، وكل اللي محتاجينه كبسولة كل ليلة لحد ما القلب يقف بهدوء.. طبيعي جداً وسكته سكتها. وموضوع الواد آدم؟ ده كان كارت محروق بس خوفناه بيه عشان يفضل ساكت وما ينطقش بحرف، والكل مفكر إنه مولود كده.
الصوت كان سم بيجري في عروقي. بصيت لآدم اللي كان قاعد بيبكي بصمت في حضن أم حسن، ودموعي نزلت نار على خدي. ابني اتحمل سبع سنوات من الرعب النفسي والتهديد عشان يحميني، وحماتي اللي كانت بتدعي الأمومة والحتة الطاهرة، طلعت شركته في الجريمة بكل تدبير.
لكن ياسمين الشاذلي، بنت العز والشركة الكبيرة، مكنتش الست الضعيفة اللي يستفردوا بيها.
رفعت التليفون واتصلت برجل القانون الوحيد اللي أثق فيه، المستشار حاتم،
صديق أبويا القديم. في أقل من ساعة، كان في الفيلا ومعاه خبير رقمي وشرطيين في السر. استلم كارت الميموري ونسخ الملفات كلها، وخد علبة الكبسولات عشان تتحلل فوراً في المعمل الجنائي.
المستشار حاتم بص لي بجدية وقال:
— اللعبة انتهت يا ياسمين، بس لازم نلعبها بذكاء. هم سافروا الغردقة وفاكرين إنهم ضامنين اللعبة. لو قبضنا عليهم دلوقتي برة المحافظة، ممكن محاميهم يطلع ثغرة. سيبيهم يرجعوا... وهم راجعين هيكون في استقبالهم مفاجأة تانية خالص.
بعد تلات أيام، وصلني اتصال من كريم، صوته كان كله حنان مزيف:
— حبيبتي يا ياسمين، خلصت الاجتماعات وبدأت راجع على القاهرة. وحشتيني أنتِ وآدم. طمنيني، خدتي الفيتامينات زي ما وصيتك؟
ابتسمت ببرود لأول مرة في حياتي، وطلعت صوتي هادي وثابت:
— تيتو حبيبي... راجعة امتى؟ البيت في انتظارك، والكبسولات... مستنياك.
قفل السكة، وهو مش عارف إن السادة الظباط كانوا واقفين في الصالون بيسمعوا المكالمة، وإن دكتور المعمل الجنائي أثبت إن الكبسولات فيها مادة سامة بطيئة المفعول بتعمل أزمة قلبية حادة من غير ما تترك أي أثر طبي.
يوم الوصول بالليل.
العربية بتاعت كريم دخلت من بوابة الفيلا، ونزل ومعاه حماتي مدام فايزة، وواضح على وشهم ابتسامة النصر والشماتة.
فتح الباب ودخل وهو بيقول بصوت عالي:
— ياسمين! أنا جيت...
سكتت الكلمات في بقه فجأة لما لقى الصالون مش ضلمة زي ما متعود، ولا فيه جنازة... بالعكس، الصالون كان مليان. المستشار حاتم قاعد على الكرسي الكبير، ومعاه ظباط مباحث متأهبين، وأم حسن واقفة ماسكة إيد آدم اللي كان باصص لأبوه بعيون كلها ثقة وقوة.
كريم بلع ريقه بصعوبة، ووشه اصفر كالميت، وبص لأمه اللي كانت هتقع من طولها. حاول يتكلم ويصطنع البراءة:
— إيه... إيه ده يا ياسمين؟ فيه إيه يا جماعة؟ ملمومين كده ليه؟
قمت من مكاني، ووقفت قصاده بكل طولى وعنفوان. طلعت علبة الكبسولات من جيبي وحطيتها على الطرابيزة قدامه، وطلبت من ظابط الشرطة يربط الكلبشات في إيديه.
بصيت له نظرة أخيرة وقلت بهمس ترددت أصدائه في الجدران:
— كنت مفكر إنك بتلعب لوحدك يا كريم... بس نسيت إن اللى بتلعب معاه هي بنت الراجل اللي أسس الإمبراطورية دي، وأم لأسد صغير عرف ينطق بالحق لما الكل سكت.
قبل ما يفتح بقه بكلمة واحدة، كان الظباط بيسحبوه هو وأمه بره الفيلا، والكلابشات في إيديهم، في طريقهم لنهاية ما كانوش يحلموا بيها أبداً.
بصيت لآدم، لقيته بيبتسم لي لأول مرة ضحكة حقيقية صافية من غير خوف. قربت منه، حضنته بكل قوتي، وهمست في ودنه:
— حقك
رجع يا حبيبي... ومحدش في الدنيا يقدر يخوفنا تاني أبدًا.
 

تم نسخ الرابط