اخويا عنده متلازمة داون

لمحة نيوز


كل حاجة من الألف للياء. حكيت لها عن المدير الجديد، وعن العمولات والمبالغ اللي بقيت ألمّها من ورا فواتير المقاولين، وعن القرش اللي دخل بيتنا وبقى يتصرف على اللقمة واللبس. وفي الآخر، حكيت لها اللي نصر قاله لي في ودني على أول الشارع.
سمر فضلت ساكتة فترة طويلة. الدموع بدأت تنزل من عينيها ببطء، بس مش دموع ضعف... كانت دموع صدمة وألم. مسحت دموعها بكف إيدها، وبصت لي بنظرة عمري ما هنساها، وقالت بصوت
صارم وواضح
أنا اتجوزتك يا نعيم وأنت حيلتكش غير هدومك اللي عليك. عشنا أيام سودا، وأيام مكناش بنلاقي فيها حق العيش الناشف، وعمري ما فتحت بقي ولا قلت لك هات لي ولا أعمل لي. أكل عيش حاف مع راجل بيتقي الله، وأنام على البلاط وأنا مرتاحة البال، ولا إنك تطعمني أنا وعيالك من حرام نتحاسب عليه قدام ربنا! نصر ربنا ما بعتوش يكسفك يا نعيم... نصر ربنا بعتهولك نجدة وطوق نجاة من السما قبل ما تقابل ربنا بالذنب ده وتتدمّر حياتك وحياة عيالك!
كلام سمر كان زي البلسم اللي نزل على جرحي بس في نفس الوقت كان بيزيد من إحساسي بالذنب.
سألتها نعمل إيه يا سمر؟ الفلوس دي كتيرة... والشركة كبيرة، ولو اتعرفت هروح في داهية وأتسجن!
ردت عليا بثبات تتسجن في الدنيا ولا تتسجن في نار جهنم؟ الفلوس دي
تتجمع، واللي تقدر

ترجعه ترجعه، والشقة دي تتطهر... حتى لو هنبيع العفش والذهب ونقعد على الحصيرة تاني!
رحلة التطهير والتوبة
في الليلة دي، ما جانيش نوم. فضلت قاعد على المصلاية لحد الفجر. أستغفر ربنا وأبكي، وأصلي ركعتين توبة، وأطلب منه يسترني وما يفضحنيش، ويقويني على المواجهة.
أول ما الشمس طلعت، فتحت الخزنة الصغيرة اللي كنت مخبي فيها الفلوس اللي جمعتها من العمولات. حطيت المبالغ كلها في شنطة أسود كبيرة. طلعت كمان الذهبات اللي كنت شاريها لمراتي من القرش ده، وسمر قلعت غوايشها وسلسلتها وحطتهم في الشنطة من غير ما تتردد لحظة واحدة.
نزلت من البيت بدري جداً قبل ما حد من العيال يصحى. أخدت الشنطة ورحت على الشركة. ركبت المواصلات وأنا حاسس إن الناس كلها بتبص عليا، حاسس إن الشنطة
اللي في إيدي دي ملغمة وهتفجر في وشي في أي لحظة.
وصلت مقر الشركة. صعدت الدور الأخير حيث مكتب رئيس مجلس الإدارة نفسه... الحاج عبد الفتاح. راجل في الستينيات من عمره، معروف بالشدة والقسوة في الشغل، بس راجل مصلي وبيتقي الله ومحدش يقدر يكسر كلمته.
قعدت في الانتظار بره يجي ساعتين، قلبي كان بيخبط في أضلعي زي الطبلة. كل ما حد يمر من جنبي كنت بحس إنه عارف أنا جاي أقول إيه. وأخيراً، السكرتير قال لي ادخل يا أستاذ نعيم، الحاج عبد الفتاح
مستنيك.
دخلت المكتب. كان مكتب ضخم، مفروش بسجاد عجمي فاخر وتابلوهات غالية. الحاج عبد الفتاح كان قاعد ورا مكتبه الأبنوس، بيبص في ملفات قدامه. رفع راسه وبص لي بنظرة حادة وقال
خير يا نعيم؟ السكرتير قال لي إنك عايزني في موضوع ضروري ومستعجل... فيه حاجة في حسابات فرع المشتريات؟
بصيت له وأنا حاسس إن رجليا مش شيلاني، وحطيت الشنطة قدامه على المكتب.
قلت بصوت متقطع
فيه حاجة في حسابات الشركة فعلًا... وأنا السبب فيها.
الحاج عبد الفتاح ساب القلم من إيده، وبص لي باستغراب.
فتحت الشنطة قدامه.
رزم الفلوس ظهرت، ومعاها الدهب.
قلت وأنا ببكي
دي كل الفلوس اللي خدتها من العمولات... وده الدهب اللي اشتريته منها... وأنا جاي أسلم نفسي قبل ما أقابل ربنا.
فضل ساكت.
ولا قال كلمة.
فتح الجرس، وطلب المدير المالي والمراجع القانوني.
في اللحظة دي كنت عارف إن حياتي القديمة انتهت.
حكيت كل حاجة.
بالاسم.
وبالتاريخ.
وبكل فاتورة عدّيتها.
وبكل جنيه دخل جيبي.
اكتشفوا إن مدير الحسابات الجديد كان عامل شبكة كاملة، وأنا وغيري كنا مجرد ترس فيها.
في نفس اليوم اتقبض عليه هو واتنين من المقاولين، وبدأت التحقيقات.
أما أنا...
فاتحولت للنيابة مع القضية.
اتوقفت عن الشغل، واتحققت معايا ساعات طويلة.
لكن لأني كنت أول واحد
اعترف، وسلمت كل اللي أخدته قبل ما حد يكتشف حاجة، وساعدت في كشف الشبكة كلها، صدر الحكم بعد شهور مع إيقاف تنفيذ عقوبة الحبس، وإلزامي برد باقي الأموال اللي قدرت عليها.
خرجت من المحكمة وأنا مرفوع الراس لأول مرة من سنين.
كنت فقير...
بس مرتاح.
بعنا العربية.
وبعنا جزء كبير من العفش.
ورجعنا نبدأ من الصفر.
وكان أغلى مكسب كسبته... راحة الضمير.
بعد كام شهر...
أمي أصرت تيجي تزورنا هي ونصر.
أول ما دخل الشقة، قلبي وقع في رجلي.
فضلت أبص له وأنا مستني نفس الجملة اللي كان بيقولها كل مرة.
نصر وقف في نص الصالة...
خد نفس طويل...
وبعدين ابتسم.
ابتسامة واسعة عمره ما ابتسمها قبل كده.
لف ناحيتي، وقال وهو بيضحك
ريحة البيت بقت حلوة أوي يا نعيم.
والله...
في اللحظة دي أنا اللي انفجرت في البكا.
حضنته بكل قوتي، وأنا ببوس راسه.
قلت له وأنا بعيط
سامحني يا أخويا... أنت اللي أنقذتني.
ربت على ضهري بإيده الصغيرة، وقال بمنتهى البراءة
أنا ما عملتش حاجة... ربنا هو اللي نضف البيت.
ومن يومها...
كل ما حد يسألني إيه أغرب معجزة شوفتها في حياتك...
ما بحكيش عن الفلوس...
ولا عن القضية...
ولا عن المحكمة...
بحكي عن أخويا نصر...
الولد اللي الناس كانت بتقول عليه من الطيبين...
بينما كان قلبه أنضف من قلوبنا كلنا.
..
وأول واحد شم ريحة الحرام...
قبل ما ريحته تقتل أصحاب البيت كلهم.

 

تم نسخ الرابط