رجع بيت امه

لمحة نيوز

 

أكيد مستنية حاجة.

الحاجة فاطمة صرخت:

ــ كريم!

أما سارة...

فاتوجعت من الكلام.

لكن تماسكت.

ــ إنت فاكر إني جاية عشان فلوسك؟

ــ أغلب الناس ما بتعملش خير لوجه الله.

فضلت باصة في عينيه كام ثانية.

وبعدين قالت:

ــ كده فهمت ليه خسرت حاجات كتير.

وش كريم اتغير.

هو بقى واحد من أكبر رجال الأعمال في مصر.

محدش بيكلمه بالطريقة دي.

خصوصًا الست اللي سابها زمان.

وفجأة...

بص لإيد أمه.

الدبلة لسه مش موجودة.

ــ فين دبلة أبويا؟

سارة استغربت.

ــ تقصد إيه؟

ــ الدبلة فين؟

الحاجة فاطمة وشها اصفر.

وسارة سكتت.

والسكوت ده زوّد شكه.

ــ بعتوها؟

سارة بصتله وكأنها أخدت قلم.

ــ كفاية!

الحاجة فاطمة صرخت.

لكن فجأة دخلت في نوبة كحة شديدة.

سارة جريت عليها.

حطت إيد ورا ضهرها.

والتانية طلعت البخاخ من مكانها بسرعة.

ــ واحدة واحدة يا حاجة...

خدي نفسك...

بالهداوة...

كريم وقف مكانه.

مشلول.

طليقته عارفة كل تفاصيل علاج أمه.

وهو...

مايعرفش حتى الدوا بيتحط فين.

بعد ما الحاجة فاطمة هديت...

غطتها سارة كويس.

وبعدين بصت لكريم.

عينيها مليانة دموع.

بس مش دموع ضعف.

دموع قهر.

قالت:

ــ عايز تعرف الدبلة راحت فين؟

فضل ساكت.

مسكت شنطتها القماش القديمة.

وقالت:

ــ اتباعت...

علشان تدفع تمن العربية الإسعاف اللي أنقذت حياة والدتك من كام شهر.

الصمت رجع يملأ المكان.

كريم حس إن الأرض بتميد بيه.

سارة كملت:

ــ المستشفى طلبت مبلغ مقدم...

ووالدتك رفضت تلمس جنيه واحد من الفلوس اللي إنت بتبعتها.

كريم بص لأمه.

ــ ليه؟

سارة أشارت عليها.

ــ اسألها هي.

واتحركت ناحية الباب.

وقف قدامها.

ــ يعني إنتِ اللي بعتي الدبلة؟

هزت راسها.

ــ لأ.

وصوتها كان بيرتعش.

ــ والدتك هي اللي باعتها.

بص كريم لأمه.

لقاها بتعيط.

وقبل ما تخرج...

قالت الجملة

اللي قلبت حياته كلها:

ــ صدقني يا كريم...

الدبلة ماكنتش أول حاجة والدتك خسرتها.

رفع عينيه ناحيتها.

فتحت الباب.

وقالت:

ــ وماكنتش أغلى حاجة كمان.

وسابت البيت...

ومشيت.

فضل كريم واقف وسط البيت القديم.

البيت اللي طول السنين كان بيقول للناس إنه مأمّن كل احتياجات أمه.

ولأول مرة في حياته...

خاف بجد.

وسأل نفسه...

يا ترى أمي خسرت إيه كمان... وأنا كنت مشغول بجري ورا الفلوس والنجاح

سارة فتحت الباب وخرجت في الضباب الخفيف اللي كان مغطي أطراف القرية، وسابت وراها صمت تقيل لدرجة إن صوت عقارب الساعة القديمة المعلقة على الحيطة المتقشرة كان عامل زي دقات الطبول.
كريم وقف مكانه، جزمته اللامعة بتدوس على البلاط المحفور والمكسور، وفي إيده مفاتيح عربية بمليون جنيه، كأنها قطعة حديد مالهاش أي تمن قصاد العجز اللي حس بيه لأول مرة في حياته.
التفت لأمه ببطء، وعينيه تايهة مش مصدقة.
ــ يا أمي... سارة قصدها إيه بإنك خسرتي حاجات تانية؟ وإيه حكاية الفلوس اللي رفضتي تلمسيها؟
الحاجة فاطمة اتعدلت بصعوبة، وخدت نفس طويل هز صدرها النحيل، وقالت بصوت متهدج، جاف، لكنه بيقطر مرارة:
ــ الفلوس اللي بتبعتها يا كريم... كانت بتيجي على حساب نومي وراحتها. كنت بطلب منك تيجي تزورني، تقول لي «المشروع بيتبنى والصفقة بتقفل». كنت ببعت أقولك إني تعبانة، السكرتيرة كانت بتقولي «الباشا في اجتماع طارئ في دبي أو لندن». وفضلت استناك... لحد ما رجليك نست طريق البيت.
دمعة نزلت على خد الراجل اللي الملايين بتترص تحت إمره، حاول يتكلم بس صوته خانوه.
ــ بس... بس أنا كنت ببعت ملايين يا أمي! الفلوس دي...
قطعت كلامه بصوت حاد لأول مرة يسمعه منها:
ــ الفلوس ما بتشتريش حتة عطف يا كريم! لما كنت بموت على السرير ده من ست شهور، والممرضة اللي عينتها سابت الشغل عشان ماقبضتش بقالها شهرين، مين اللي ظهر؟

مين اللي فتحت الباب لقتني غرقانة في تعبي ونقلتني على عربية النص نقل عشان المستشفى تبص في وشي؟ مش فلوسك... سارة! الطليقة اللي رميتها عشان أبو كرافتة ومظهر، هي اللي باعت دبلة جوازها أولاً، وبعدين أنا اللي اطرّيت أبيع دبلتي عشان نجيب أنبوبة الأكسجين اللي كانت هتخلص في صدري!
كريم حس إن الحيطة بتقع فوق رأسه فعلاً.
ــ سارة... عملت ده كله؟! بعد اللي عملته فيها؟! بعد ما طلقتها على باب المحكمة كأنها حاجة رخيصة؟!
ــ وعمرها ما فتحت بوقها بكلمة عتب واحدة! كانت بتيجي تشتغل في الغيط جنب بيوت الناس عشان تجيب لي علبة الدوا اللي فلوسك الكارت البنكي بتاعها مابيعرفش يوصل لها في ميعادها. أنت بعت لي فلوس يا كريم، بس نسيت تبعت لي ابنك.
الكلمة نزلت على دماغه زي الصاعقة.
تاني يوم الصبح، كريم ما راحش شركته في أرجاء كورنيش النيل، ولا دخل اجتماع مجلس الإدارة اللي كان مستنيه صفقة السنين بـ300 مليون جنيه.
دخل مكتب الحسابات والمالية بتاعه، وطلب مدير الحسابات مراد.
ــ مراد... فلوس أمي الشهرية، كانت بتروح فين؟ وفين تحويلات المستشفيات وأتعاب الممرضات اللي كنت بامر بيها؟
مراد ارتبك، ووشه اصفر، وبص للأرض:
ــ يا سيادة الباشا... الحقيقة... يعني... سيادتك كنت بتأمر بتحويل مبالغ كبيرة، بس... بس في الحقيقة الحسابات كانت بتتصرف على بنود تانية خاصة بالمصاريف الإدارية والشركات الفرعية، وأنا... أنا كنت بسجلها في الدفاتر على إنها مصاريف رعاية خاصة للوالدة عشان أريح دماغك، لأنك ماكنتش بتسأل بالتفصيل، وكنت فاكر إن...
كريم ماستناش يسمع الباقي.
لكمه بقوة على وقفته، ورمى في وشه ورقة الاستقالة والرفض الفوري للخدمة، وأمر الأمن بطرده من الشركة في ثوانٍ. لأول مرة يفهم إن الإمبراطورية اللي بناها كانت مبنية على رمل، وإنه كان غبي لدرجة إنه صدق إن الشيكات بتقدر تحل محل الضضرة والحضن والقُرب.

ساعتين بعد اللقاء ده، كانت عربية كريم الـSUV السودا واقفة قدام بيت صغير ونظيف على مدخل القرية، بيت هادي زرعه فيه الورد البلدي البسيط.
خبط على الباب بهدوء... قلب دقاته أسرع من أي صفقة دخلها في حياته.
انفتح الباب.
طلعت سارة، كانت لابسة نفس البلوفر البسيط، وفي إيديها كيس فيه شوية خضار جابته من السوق. بصتله بتفاجؤ، وقبل ما تتكلم، قطعها كريم.
نزل على ركبتيه الاثنين على عتبة الباب الترابية قدام أهل القرية اللي كانوا بيبصوا من الشبابيك باستغراب.
ــ سامحيني يا سارة...
سارة اتجمدت مكانها، والمعلقة أو الكيس اللي في إيدها كادوا يقعوا.
ــ جاي تعمل إيه هنا يا كريم؟ الفلوس بتاعتك مش هتصلح اللي انكسر.
ــ أنا مش جاي بفلوس... ولا جاي أشتري حد. أنا جاي أقولك إن الإمبراطورية اللي بنيتها سقطت امبارح بالليل، وإني خسرت كل حاجة كنت فاكرها بتعمل مني راجل... ما عدا حاجتين أتمنى لسه في مكان في قلبك تسامحيني عشانهم.
سارة بصتله بعيون مليانة أسئلة، وقلبها بينبض بعنف.
ــ أمي... وبيتي الحقيقي اللي سبته زمان عشان طموح أعمى. أنا طلبت إعفاء من كل صفقاتي، ونقلت شغلي كله هنا في المنوفية. بنيت لأمي مستشفى صغير في القرية، وخصصت تلت ثروتي للغلابة اللي شبهنا... بس الأهم من ده كله...
طلع من جيبه علبة مخملية صغيرة فتحها ببطء، وكان جواها دبلة جديدة، مطابقة تماماً لنفس الدبلة القديمة اللي باعتها عشان تنقذ أمه، ومكتوب عليها تاريخ اليوم ده.
ــ ترجعي لي يا سارة؟ تخليني أتعلم منك من أول وجديد معنى الحياة الحقيقية اللي ضيعتها وأنا بجري ورا السراب؟
سارة فضلت باصة للدبلة، ودموعها نزلت بصمت، بس المرة دي... ابتسامة صغيرة هادية ظهرت على شفايفها، ابتسامة الست اللي عرفت إن الفلوس عمرها ما بتشتري الأصل، وإن الأصول هي اللي بتصنع الرجال في النهاية.
رفعت إيديها مسحت دموعها، وقالت بصوت ثابت:
ــ
البيت بيتنا يا كريم... بس طريق التغيير طويل، وأنت لسه في أول خطوة.
مدت إيديها وساعدته يقوم من على الأرض، ودخلوا الاتنين جوه البيت، بينما الشمس كانت بتبزغ فوق قرى المنوفية، معلنة بداية حكاية جديدة خالص.
 

تم نسخ الرابط