طفلتي قالت أن سريرها ضيق

لمحة نيوز

من سقف غرفة صوفيا.
ليس لمراقبتها بل لطمأنة نفسي.
في تلك الليلة نامت صوفيا نوما عميقا.
كان السرير مرتبا.
لم يكن هناك فوضى.
لم يكن هناك ما يشغل مساحة إضافية.
تنفست الصعداء.
إلى أن جاءت الساعة الثانية فجرا.
استيقظت عطشى.
وأثناء مروري بغرفة الجلوس فتحت هاتفي بدافع العادة وراجعت البث المباشر للكاميرا فقط لأتأكد أن كل شيء على ما يرام.
وعندها
تجمد جسدي كله.
على الشاشة انفتح باب غرفة صوفيا ببطء.
دخل أحدهم.
جسد نحيل.
شعر أبيض يكاد يكون رماديا.
خطوات بطيئة ومرتعشة.
وضعت يدي على فمي حين
أدركت أخيرا الحقيقة
كانت دونيا كارمن.
والدة لويس.
توجهت مباشرة نحو سرير صوفيا.
رفعت الغطاء بحذر.
ثم
استلقت بجوار حفيدتها.
كما لو كان
سريرها هي.
تحركت صوفيا قليلا دفعت نحو حافة الفراش عقدت حاجبيها لكنها لم تستيقظ.
وأنا
بكيت بصمت.
تبلغ دونيا كارمن ثمانية وسبعين عاما.
ترملت حين كان لويس في السابعة من عمره.
لم تتزوج مرة أخرى طوال أكثر من أربعين عاما.
عملت في كل شيء.
عملت في تنظيف بيوت لم تكن لها
وفي غسل ثياب الآخرين بيدين متشققتين من الماء والمنظفات
وفي بيع مشروب الأتولي والتامال في ساعات الفجر الأولى حين يكون الشارع باردا والناس نائمين وحين لا يسمع صوتها أحد.
كانت تخرج قبل أن تشرق الشمس وتعود بعد أن ينام الجميع.
لم تشتك يوما.
لم تقل إنها تعبت.
لم تسأل وماذا عني
كل ذلك لتربي ابنها
ولتدفعه خطوة بعد خطوة حتى يصبح طبيبا
حتى يصل إلى المكان الذي
لم يتح لها يوما أن تحلم به لنفسها.
حكى لي لويس مرة بصوت خاڤت كأنه يعترف بذنب قديم أنه حين كان طفلا كانت هناك أيام لا تأكل فيها أمه سوى قطعة خبز يابسة
لكنها كانت تحرص دائما على أن تضع في طبقه اللحم أو السمك
وتقول له وهي تبتسم
أنا شبعت.
وحين كبر ودخل الجامعة لم يتوقف عطاؤها.
كانت لا تزال ترسل له أظرفا صغيرة فيها قليل من المال مطوية بعناية شديدة
كأنها تخشى أن يضيع شيء منه
كأنها كانت ترسل معه قلبها لا نقودا فقط.
أما هي
فلم يكن يتبقى لها شيء تقريبا.
لا وقت ولا راحة ولا أحلام مؤجلة.
كانت حياتها كلها معلقة في نجاح ابنها.
وفي السنوات الأخيرة بدأنا نلاحظ التغيرات.
تغيرات صغيرة في البداية يمكن إنكارها بسهولة.
مرة ضاعت
في الطريق وبكت عند موقف الحافلات حتى حلول الليل
مرة أخرى أثناء تناول الطعام رفعت رأسها ونظرت إلي طويلا ثم سألتني ببراءة طفل
من أنت
وأحيانا كانت تناديني باسم امرأة ټوفيت منذ عقود
وتبتسم لي كأنها تراها أمامها.
كنا نصحح لها ثم نصمت.
نقنع أنفسنا أن الأمر عابر.
لكنه لم يكن كذلك.
أخذناها إلى الطبيب.
جلس أمامنا بهدوء مهني ونطق الكلمات التي يخشاها كل ابن وكل أسرة
مرحلة مبكرة من ألزهايمر.
قالها كحقيقة طبية
لكنها سقطت علينا كحكم قاس.
ومع ذلك لم نتخيل يوما أنها ستتجول في أرجاء المنزل ليلا
ولم يخطر ببالنا أبدا أنها
ستبحث عن سرير آخر غير سريرها.
ستبحث عن دفء تعرفه.
في اليوم التالي عرضت التسجيل على لويس.
جلس أمام الشاشة
صامتا وقتا طويلا.
لم يتكلم.
لم يتحرك.
ثم
انهار.
انهمرت دموعه دون صوت
كأنه طفل عاد فجأة

تم نسخ الرابط