أعطاها بطاقة بلا حد ليختبرها… لكنه لم يكن مستعدًا لما اشترته لابنتها
المحتويات
كرواسون بحماس طفولي بسيط.
كل بضع دقائق، كانت الطفلة ترفع عينيها نحو أمها وكأنها تخشى أن يختفي كل شيء فجأة.
ماما إحنا راح نرجع للمحطة؟
سكتت غادة لثوانٍ.
ثم قالت بهدوء
لا أعرف يا حبيبتي.
لم تكذب عليها.
لم تعد تملك طاقة للكذب المطمئن الذي تقوله الأمهات عادة لأطفالهن.
خفضت ليان عينيها نحو الطعام.
ثم سألت بصوت صغير
الرجال الغني كان طيب؟
ارتبكت غادة قليلًا.
فهد لم يكن لطيفًا بالمعنى الطبيعي.
حتى مساعدته كانت تتحدث معه وكأنها تخشى إزعاجه.
لكنه أيضًا لم ينظر إليهما باحتقار مثل بقية الناس.
قالت أخيرًا
أعتقد أنه يحاول يفهم شيئًا.
ليان لم تفهم الجملة.
لكنها هزت رأسها وعادت للأكل.
في الظهر، خرجت غادة من الفندق ممسكة بيد ابنتها.
كانت تتحرك بحذر واضح.
كأنها ما تزال تخشى أن يوقفها أحد ويقول إن كل هذا خطأ.
دخلت متجرًا بسيطًا للملابس.
ليس فاخرًا.
ولا رخيصًا جدًا.
وقفت ليان أمام فستان أزرق طويل قليلًا عليها.
ثم ابتعدت فورًا عندما رأت السعر.
لاحظت غادة ذلك.
يعجبك؟
هزت ليان رأسها بسرعة.
لا عادي.
لكن الأطفال لا يعرفون الكذب جيدًا.
ابتسمت غادة بخفة.
ثم أخذته بهدوء ووضعته مع الملابس الأخرى.
تجمدت ليان.
لا ماما غالي.
لا بأس.
بس الرجال يمكن يزعل.
توقفت غادة للحظة.
هذه الطفلة أصبحت تخاف حتى من شراء ما تحبه.
قالت بهدوء وهي ترتب شعرها
ما أحد يزعل من فستان يا ليان.
لكن شيئًا داخلها كان يهمس بالعكس.
هي نفسها كانت خائفة من البطاقة.
خائفة من أن يأتي وقت ويطلب فيه فهد كل شيء بالمقابل.
الحياة علمتها أن لا شيء مجاني فعلًا.
في نفس الوقت تقريبًا، كان فهد يجلس مع أحد المستثمرين داخل مطعم فاخر في برج خليفة.
الرجل يتحدث عن مشروع جديد.
مئات الملايين.
توسعات.
أرباح.
لكن فهد لم يكن يسمع جيدًا.
لأن إشعارًا جديدًا ظهر على هاتفه.
متجر ألعاب.
76 درهمًا.
ضغط عليه دون وعي.
لعبة تعليمية صغيرة.
ودمية أرنب رخيصة.
حدق طويلًا.
ثم سأل المستثمر فجأة
عندما كنت
توقف الرجل عن الكلام مرتبكًا.
ماذا؟
أعاد فهد نظره للهاتف.
لا شيء.
لكن السؤال بقي عالقًا داخله.
لأنه لا يتذكر أنه خاف يومًا من طلب أي شيء.
أما ليان
فكانت تخاف من فستان.
في المساء، عادت غادة وابنتها إلى الفندق.
ليان كانت الأرنب الصغير وكأنه كنز.
وعندما دخلتا الغرفة، ركضت مباشرة نحو السرير وقفزت فوقه وهي تضحك.
ضحكة قصيرة.
خفيفة.
لكنها ملأت المكان بالكامل.
وقفت غادة عند الباب تراقبها.
ثم فجأة غطت عينيها بيدها.
ليس لأنها تبكي.
بل لأنها لم تعد تعرف كيف تتحمل هذا الشعور.
السعادة البسيطة أصبحت تؤلمها.
رن هاتفها فجأة.
رقم غير معروف.
ترددت قبل أن ترد.
ألو؟
جاءها صوت رجل هادئ
معكِ فهد السالم.
تصلب جسدها
فورًا.
نظرت تلقائيًا نحو البطاقة الموضوعة فوق الطاولة.
آسفة إذا صرفت كثيرًا
لم تصرفي كثيرًا.
سكتت.
ثم قال بعد لحظة
هل تناولتِ أنتِ الطعام اليوم؟
تفاجأت من السؤال نفسه.
كأن أحدًا لم يسألها هذا منذ زمن طويل.
قالت بهدوء مرتبك
نعم.
لكنه شعر فورًا أنها تكذب.
نظر إلى تفاصيل العمليات مرة أخرى.
كل الطلبات تقريبًا كانت تخص الطفلة.
ملابس أطفال.
وجبات أطفال.
أدوية أطفال.
حتى المطاعم كانت أرخص شيء بالقائمة.
قال دون أن يفكر كثيرًا
طلبتِ وجبة واحدة فقط أمس من المطعم.
ساد الصمت.
ثم قالت غادة بصوت منخفض جدًا
ليان كانت جائعة أكثر مني.
أغلق فهد عينيه للحظة.
وشعر بشيء ثقيل يتحرك داخل صدره.
شيء لم تستطع كل أموال العالم أن تمنعه هذه المرة.
لأن المرأة التي ظن أنها قد تستغل بطاقته
كانت ما تزال تتصرف وكأنها لا تستحق حتى أن تأكل جيدًا.
في صباح اليوم التالي، استيقظ فهد قبل المنبه لأول مرة منذ أشهر.
بقي مستلقيًا للحظات وهو ينظر إلى سقف غرفته الواسعة.
ثم مد يده مباشرة نحو الهاتف.
فتح سجل العمليات البنكية قبل أي شيء آخر.
لم يكن هناك أي شراء فاخر.
ولا سحب نقدي.
ولا حتى محاولة لاستغلال البطاقة.
فقط متجر صغير للإفطار.
ثم صيدلية مرة أخرى.
تنفس ببطء.
شيء داخله كان يرتاح
وشيء آخر كان ينزعج لأنه يرتاح.
كانت غادة تجلس في عيادة أطفال خاصة قرب الفندق.
ليان نائمة على كتفها بتعب.
والطبيبة تقلب نتائج الفحص أمامها.
عندها التهاب قوي بالصدر بسبب البرد والإرهاق لكنها ستكون بخير إن شاء الله.
أغمضت غادة عينيها للحظة.
وكأن جسدها كله انهار بعد سماع جملة ستكون بخير.
هل تحتاج دخول مستشفى؟
لا، فقط راحة وأكل جيد وانتظام على الدواء.
هزت غادة رأسها بسرعة.
ثم سألت السؤال الذي يفضح أي شخص عاش ضيق المال طويلًا
كم الحساب؟
ابتسمت الطبيبة بخفة وهي تذكر الرقم.
ورغم أن البطاقة السوداء داخل حقيبتها تستطيع دفع أضعافه بلا معنى
شعرت غادة بانقباض داخل صدرها.
الاحتياج لا يختفي بهذه السرعة.
بعد ساعة، وصل إشعار العيادة إلى هاتف فهد.
ظل ينظر إليه طويلًا.
التهاب صدر.
طفلة عمرها ست سنوات.
ثلاث ليالٍ في محطة باردة.
أغلق الهاتف بقوة هذه المرة.
ثم وقف فجأة.
لدرجة أن مساعدته التفتت نحوه بسرعة.
أستاذ فهد؟
ألغِ كل اجتماعات اليوم.
تفاجأت.
لكن اجتماع المستثمرين الأمريكيين
قلت ألغيه.
لم تجادله.
لأنها رأت شيئًا غريبًا على وجهه.
توترًا لم تره من قبل.
خرج فهد من البرج الزجاجي لأول مرة دون موكب أو سائق.
قاد سيارته بنفسه وسط شوارع دبي المزدحمة.
ولم يكن يفهم تمامًا لماذا يفعل ذلك.
كان يستطيع تحويل مليون درهم لغادة وينتهي الأمر.
هذا ما يفعله عادة.
حل سريع.
بعيد.
بارد.
لكن هذه المرة
الأمر لم يعد يتعلق بالمال فقط.
وصل إلى الفندق الذي ظهرت بياناته في العمليات البنكية.
وقف في الاستقبال.
أبحث عن السيدة غادة العتيبي.
نظر موظف الاستقبال إليه بتوتر فور أن تعرف على وجهه.
لحظة أستاذ.
بعد دقائق، نزلت غادة وهي تمسك يد ليان.
وفور أن رأته، توقف جسدها بالكامل.
كأنها لم تتوقع أبدًا أن يأتي بنفسه.
أما ليان
فتشبثت بمعطف أمها فورًا.
اقترب فهد ببطء.
ثم نظر إلى الطفلة.
وجهها بدا أفضل قليلًا.
لكن
قال بهدوء
كيف هي الآن؟
ترددت غادة قبل الرد.
أفضل الحمد لله.
ثم أضافت بسرعة وكأنها تدافع عن نفسها
أخذتها للطبيبة فقط لأن حرارتها ارتفعت أمس.
هز رأسه بهدوء.
ثم نظر نحو ليان.
هل أنتِ بخير الآن؟
حدقت به الطفلة بصمت طويل.
ثم سألت فجأة
أنت الغني؟
تجمدت غادة فورًا.
ليان!
لكن فهد رفع يده قليلًا.
وكاد يبتسم لأول مرة منذ يومين.
تقريبًا.
ظلت الطفلة تنظر إليه بتركيز طفولي صادق.
ثم قالت
ماما قالت إنك مو شرير.
شعر فهد بشيء غريب يضرب صدره مباشرة.
ليس لأنه تأثر بالجملة فقط
بل لأنه أدرك أن هذه الطفلة كانت تضع احتمال أن يكون شريرًا أصلًا.
وكأن الحياة علمتها ذلك مبكرًا.
جلسوا في مقهى هادئ داخل الفندق.
غادة طلبت قهوة عادية فقط.
أما ليان، فكانت منشغلة بالأرنب الصغير الذي اشترته بالأمس.
راقب فهد طريقة غادة وهي تنظر إلى الأسعار قبل أي طلب.
حتى الماء.
حتى القهوة.
قال فجأة
ماذا كنتِ تعملين قبل كل هذا؟
رفعت عينيها نحوه بتردد واضح.
ثم قالت
كنت موظفة استقبال في عيادة تجميل.
لم يتوقع الإجابة.
كانت تبدو له كأنها خرجت من سنوات طويلة من الفقر.
لكنها أكملت بهدوء
كان عندي شقة صغيرة وحياة عادية.
وماذا حدث؟
صمتت للحظات.
ونظرها اتجه تلقائيًا نحو ليان.
ثم قالت
والد ليان تركنا بعد ديون كبيرة باسمه وباسمي.
بقي صامتًا.
فأكملت
حاولت أشتغل أكثر من وظيفة لكن لما مرضت ليان تغيبت كثيرًا وخسرت عملي.
قالت الجملة الأخيرة ببساطة مرهقة.
بدون محاولة لكسب تعاطفه.
وهذا بالضبط ما أربكه.
لأن معظم الناس في عالمه يبالغون في شرح معاناتهم عندما يريدون شيئًا.
أما غادة
فكانت تحكي وكأنها تعبت حتى من الشرح.
نظر فهد نحو الطفلة.
كانت تضحك بهدوء مع الأرنب.
ثم سأل دون أن يشعر
لماذا لم تطلبي مساعدة من أحد؟
ضحكت غادة ضحكة صغيرة بلا فرح.
طلبت.
ثم سكتت.
لكنه فهم أن وراء الكلمة أشياء كثيرة لم تقلها.
بعد لحظات، أخرجت شيئًا من حقيبتها ووضعته على الطاولة.
بطاقته السوداء.
نظر إليها باستغراب.
انتهت الأربع والعشرون ساعة، قالت بهدوء.
يمكنكِ الاحتفاظ بها.
هزت رأسها فورًا.
لا أستطيع.
لماذا؟
نظرت نحوه مباشرة لأول مرة منذ جلسوا.
وكان التعب داخل عينيها أعمق من أي شيء آخر.
لأنني لا أريد أن أعتاد أن ينقذني أحد.
ساد
متابعة القراءة