أعطاها بطاقة بلا حد ليختبرها… لكنه لم يكن مستعدًا لما اشترته لابنتها

لمحة نيوز

الصمت بينهما.
أما ليان
فكانت في الخلفية تحاول إلباس الأرنب الصغير كمامتها الطبية الصغيرة وهي تضحك وحدها.
أخذ فهد البطاقة من فوق الطاولة ببطء.
لكن أصابعه بقيت ثابتة عليها لثوانٍ.
لم يكن معتادًا أن يرفض أحد شيئًا يقدمه.
خصوصًا عندما يكون ذلك الشيء قادرًا على تغيير حياة كاملة.
أما غادة
فكانت تنظر إليه بهدوء متعب، وكأنها تحاول حماية آخر جزء بقي لها من نفسها.
قال أخيرًا
ليان ما تزال تحتاج مكانًا ترتاح فيه.
أعرف.
وأنتِ تحتاجين وقتًا حتى تقفي على قدميكِ.
خفضت عينيها قليلًا.
ثم قالت بصراحة بسيطة
الوقت صار أغلى شيء أخاف أخسره.
لم يفهم الجملة بالكامل.
لكنه شعر بثقلها.
بعد نصف ساعة، أوصلتهما سيارة الفندق إلى مبنى صغير في منطقة هادئة بدبي.
لم يكن فاخرًا.
لكنه نظيف وآمن.
وقفت غادة تنظر إلى العمارة بتردد.
ما هذا؟
قال فهد بهدوء
شقة مفروشة. شهر واحد فقط.
استدارت نحوه بسرعة.
لا.
ليس هدية.
إذًا ماذا؟
اعتبريه قرضًا إن كان ذلك يريحك.
ظلت صامتة.
ثم قالت ببطء
ولماذا تفعل كل هذا؟
نظر إلى الشارع للحظة قبل أن يجيب.
لا أعرف بعد.
وكان صادقًا.
لأن الأمر لم يعد مجرد شفقة.
ولا مجرد فضول.
شيء داخله كان يتفكك بهدوء منذ قابلها.
دخلت ليان الشقة أولًا.
ثم توقفت في منتصف الصالة الصغيرة.
كانت هناك أريكة رمادية.
طاولة طعام صغيرة.
ومطبخ مفتوح.
أشياء عادية جدًا.
لكن الطفلة دارت حول نفسها ببطء وكأنها دخلت عالمًا آخر.
ماما عندنا بيت؟
شعرت غادة بغصة مفاجئة.
لأن كلمة بيت خرجت من ليان وكأنها شيء مستحيل.
اقترب فهد من النافذة بصمت وأعطاهما المساحة.
ثم سمع صوت ليان خلفه
أستاذ فهد؟
التفت إليها.
كانت تنظر نحوه بجدية طفولية غريبة.
شكرًا لأنك خليت ماما تبطل تخاف شوي.
تجمد للحظة.
ثم نظر نحو غادة.
لكنها خفضت عينيها فورًا كأنها لم ترد أن يسمع أحد تلك الحقيقة.
في تلك الليلة، عاد فهد إلى شقته الواسعة.
دخل المكان الهادئ الذي كان يعتبره دائمًا رمز نجاحه.
لكن لأول مرة
بدا فارغًا بشكل مؤلم.
مرّ بجانب المطبخ الإيطالي الضخم دون أن ينظر إليه.
وعشرات اللوحات المعلقة على الجدران.
والإضاءة المثالية.
كل شيء كان مرتبًا
بدقة.
وكل شيء بلا روح.
فتح الثلاجة.
ممتلئة بالطعام الذي لا يأكله.
ثم تذكر ليان وهي تسأل إن كان مسموحًا لها فعلًا بالنوم
على سرير.
أغلق الثلاجة ببطء.
وجلس وحده في الظلام.
في اليوم التالي، استيقظت غادة مبكرًا جدًا.
كانت ترتب الشقة الصغيرة وكأنها تخشى أن تفقدها إذا تركت شيئًا في غير مكانه.
ثم جلست أمام هاتفها القديم تبحث عن وظائف.
استقبال.
خدمة عملاء.
سكرتارية.
أي شيء.
خرجت ليان من الغرفة وهي تفرك عينيها.
ماما ليش قاعدة بدري؟
ابتسمت غادة بخفة.
لازم أشتغل يا حبيبتي.
اقتربت ليان وجلست قربها.
ثم سألت بهدوء
إذا اشتغلتي ما راح نرجع للمحطة؟
توقفت أصابع غادة فوق الشاشة.
ثم ضمت ابنتها نحوها بسرعة.
لا إن شاء الله لا.
لكن الخوف داخل صوتها كان أوضح من الكلمات.
بعد ساعات، كان فهد داخل اجتماع جديد عندما دخل عليه اتصال من رقم غير محفوظ.
كاد يرفضه.
لكنه لمح اسم غادة في ذاكرته فجأة.
فرد فورًا.
جاءه صوتها متوترًا هذه المرة.
آسفة على الإزعاج
اعتدل في جلسته فورًا.
ماذا حدث؟
لا شيء كبير فقط صاحبة العمل في إحدى العيادات طلبت مقابلتي اليوم، لكنهم يريدون موظفة معها سيارة وأنا
توقفت وكأنها ندمت على الاتصال.
قال مباشرة
سأرسل سيارة.
ساد الصمت لثانيتين.
ثم قالت بسرعة
لا، لا أريد أن أزعجك أكثر.
غادة.
سكتت.
هذه ليست إزعاجًا.
خفضت صوتها قليلًا.
أنا فقط لا أريد أن أشعر أنني أصبحت عبئًا على أحد.
أغمض فهد عينيه للحظة.
ثم قال بهدوء لم يعتده حتى على نفسه
أنتِ أول شخص منذ سنوات لا يطلب مني شيئًا فعلًا.
ولأول مرة منذ بدأ كل هذا
لم تجد غادة ردًا جاهزًا تقوله.
في المساء، أرسل فهد السيارة إلى غادة دون أن يخبرها أنه بقي يتابع مسارها طوال الطريق من هاتفه.
وصلت إلى عيادة خاصة في جميرا.
مبنى أنيق.
زجاج لامع.
واستقبال يشبه الفنادق.
نزلت غادة من السيارة وهي تمسك حقيبتها القديمة بقوة.
أما ليان، فكانت ترتدي الفستان الأزرق الذي اشترته أمها قبل يومين، وكأنها تخشى أن يتسخ.
راقب فهد صورة الكاميرا الخارجية للحظة قبل أن يغلق الهاتف.
ثم حاول العودة للعمل.
لكنه لم يستطع.
بعد ساعة تقريبًا، رن هاتفه.
غادة.
رد فورًا.

لكنها لم تتكلم مباشرة.
سمع فقط ضوضاء شارع وأنفاسًا متوترة.
غادة؟
قالت أخيرًا بصوت منخفض
انتهت المقابلة.
وكيف كانت؟
سكتت قليلًا.
ثم قالت
قالوا إنهم سيخبرونني لاحقًا.
عرف فورًا أن الجملة تعني الرفض.
قال بهدوء
ماذا حدث؟
ضحكت ضحكة قصيرة بلا فرح.
المديرة سألتني أين كنت أعيش آخر شهرين ولم أعرف ماذا أقول.
أغمض فهد عينيه.
ثم سأل
أين أنتِ الآن؟
خارج العيادة.
ابقي مكانك.
وصل بعد عشرين دقيقة.
ولأول مرة منذ سنوات، لم يهتم أن يراه الناس واقفًا على الرصيف ببدلته الرسمية بجانب امرأة تحمل حقيبة مهترئة وطفلة متعبة.
كانت غادة تحاول أن تبدو طبيعية.
لكن فهد لاحظ فورًا أنها كانت تقبض على يد ليان بقوة زائدة.
قال بهدوء
هل أكلتما؟
نعم.
نظر إليها للحظة.
ثم قال
هذه كذبتكِ الثانية معي.
خفضت عينيها مباشرة.
أما ليان فقالت ببراءة
ماما قالت لازم نوفر.
شعر فهد بشيء يضغط صدره مجددًا.
اصطحبهما إلى مطعم هادئ قريب من البحر.
ليس فاخرًا بشكل مبالغ.
لكنه دافئ.
جلست ليان قرب النافذة تراقب الماء بإعجاب واضح.
أما غادة، فبقيت متوترة طوال الوقت.
تنظر للأسعار.
وترتب الملعقة أكثر من مرة.
وكأنها تخاف أن ترتكب خطأ لا يناسب المكان.
قال فجأة
لا أحد هنا ينظر إليكِ.
رفعت عينيها نحوه بتفاجؤ.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة.
أنا تعودت أن أفعل ذلك بنفسي.
لم يفهم.
فأكملت بهدوء
عندما تخسر كل شيء تبدأ بمراقبة نفسك طوال الوقت قبل أن يراقبك الناس.
بقي صامتًا.
لأن الجملة دخلت داخله بشكل مؤلم.
بعد العشاء، خرجوا يتمشون قرب المارينا.
ليان كانت تمشي أمامهما وهي الأرنب الصغير.
وفجأة توقفت عند واجهة محل حلويات.
ظلت تنظر فقط.
لم تطلب شيئًا.
حتى أنها لم تلتفت نحوهما.
فقط تنظر.
اقترب فهد منها.
ماذا تريدين؟
هزت رأسها بسرعة.
ولا شيء.
لكن عينيها بقيتا معلقتين بقطعة كيك صغيرة مزينة بالفراولة.
نظر فهد نحو غادة.
فقالت بخجل خافت
آخر مرة أكلت حلوى كانت بعيد ميلادها قبل سنة تقريبًا.
التفت فورًا نحوها.
سنة؟
شعرت غادة أنها قالت شيئًا أكثر مما يجب.
لكن ليان سبقتها بالكلام
كان عندنا بيت وقتها.
ثم ابتسمت فجأة وكأنها تذكرت شيئًا جميلًا.

وماما عملت لي كيك بنفسها.
تجمدت ملامح غادة لثانية.
وكأن الذكرى آلمتها أكثر مما أسعدتها.
دخل فهد المحل واشترى الكيك دون تعليق.
جلسوا على مقعد قريب من الماء.
وكانت ليان تأكل ببطء شديد.
ببطء شخص يخاف أن تنتهي اللحظة بسرعة.
راقبها فهد طويلًا.
ثم سأل فجأة
ماذا تريدين أن تصبحي عندما تكبرين؟
رفعت رأسها نحوه وفكرت بجدية طفولية.
ثم قالت
أبغى بيت فيه باب ما يخوف.
شعر فهد أن الهواء توقف داخل صدره.
أما غادة
فأدارت وجهها بسرعة نحو البحر.
لأنها لم تستطع إخفاء دموعها هذه المرة.
في تلك الليلة، عاد فهد إلى منزل والده لأول مرة منذ أسابيع.
كان عبدالرحمن السالم جالسًا في مكتبه الضخم.
الرجل نفسه.
النظرة الباردة نفسها.
والصوت الذي تعود أن يحكم كل شيء.
سمعت أنك ما زلت منشغلًا بتلك المرأة.
جلس فهد بصمت.
ثم قال والده ببرود
ستتعلق بك. ثم ستطلب المزيد. ثم تصبح مسؤوليتها مسؤوليتك. هذه هي النهاية دائمًا.
نظر فهد إلى والده طويلًا.
ولأول مرة في حياته، شعر أنه ينظر إلى رجل لا يعرفه.
قال بهدوء
الغريب أنها لم تطلب شيئًا أصلًا.
ضحك عبدالرحمن بسخرية.
لأنك ما زلت في البداية فقط.
لكن فهد تذكر شيئًا صغيرًا جدًا في تلك اللحظة.
غادة وهي تعيد البطاقة السوداء.
غادة وهي تخاف من شراء فستان لابنتها.
غادة وهي تكذب بأنها أكلت حتى لا يشعر بالذنب.
ثم تذكر ليان وهي تقول
أبغى بيت فيه باب ما يخوف.
وقف ببطء.
وقال لأول مرة دون خوف من اعتراض والده
يمكن المشكلة لم تكن في الناس المحتاجين أبدًا.
تغيرت ملامح عبدالرحمن قليلًا.
أما فهد
فخرج قبل أن يسمع الرد.
بعد شهرين، كانت غادة تعمل فعلًا في عيادة صغيرة للاستشارات الطبية.
راتب بسيط.
وساعات طويلة.
لكن الشقة بقيت
مرتبة.
ودافئة.
وليان عادت إلى المدرسة.
وفي إحدى الأمسيات، وقف فهد أمام باب شقتهما يحمل حقيبة مدرسية جديدة نسيَت ليان إحضارها من السيارة.
فتحت ليان الباب بسرعة.
ثم ابتسمت فورًا عندما رأته.
أستاذ فهد!
ركضت نحوه دون تفكير ساقه الصغيرة بذراعيها.
تجمد مكانه للحظة.
لأنه لم يكن معتادًا على هذا النوع من العفوية.
ظهرت غادة خلفها.
وكان التعب ما يزال في وجهها
لكن
شيئًا آخر عاد أيضًا.
الطمأنينة.
قالت بهدوء
تفضل.
نظر فهد إلى الشقة الصغيرة.
ثم إلى صوت ضحكة ليان من الداخل.
ثم إلى غادة.
وأدرك أخيرًا شيئًا لم تفهمه كل اجتماعاته وصفقاته وأموال عائلته طوال عمره
بعض الناس لا يحتاجون منقذًا
فقط يحتاجون فرصة يشعرون فيها بالأمان دون خوف.

تم نسخ الرابط