كنت بشتغل ممرضة في قسم الأطفال
طويلة. ولما عرفنا مكانها بعد العمر ده كله كانت مريضة جدًا. قبل ۏفاتها طلبت مني أوصل حفيدها ليكي لو حصل أي مكروه.
حفيدها؟
قريت السطر أكتر من مرة.
ثم كملت.
ياسين ابن أختك الكبرى.
أختي؟
أنا عندي أخت؟
الرسالة وقعت من إيدي.
ومشاعر متضاربة اجتاحتني.
حزن.
صدمة.
ڠضب.
وحنين غريب لناس ما شفتهمش في حياتي.
في الأيام التالية بدأت رحلة طويلة للبحث عن الحقيقة.
استعنت بمحامٍ.
وتمت مراجعة سجلات قديمة.
وأوراق محفوظة من عشرات السنين.
وبعد أسابيع من البحث المضني...
اتأكدت الحقيقة.
كنت فعلًا طفلة مخطۏفة.
وتم تزوير أوراقي وقتها.
أما
وماكانوش يعرفوا الچريمة اللي حصلت.
لذلك ماقدرتش ألومهم.
لأنهم أحبوني وربوني بكل إخلاص.
لكن ظهرت مفاجأة جديدة.
وجدت تسجيلًا صوتيًا تركته أمي الحقيقية قبل ۏفاتها بأشهر.
جلست وحدي أسمعه.
وكان صوتها ضعيفًا جدًا.
قالت
يا نجلاء... لو سمعتي الرسالة دي يومًا... اعرفي إني ما بطلتش أدور عليكي ولا يوم. كنت بحفظ صورتك الصغيرة تحت مخدتي. وكنت بدعي أشوفك قبل ما أموت.
وانهرت بالبكاء.
بكيت كما لم أبكِ من قبل.
ليس لأنني فقدت أمًا.
بل لأنني اكتشفت أن هناك أمًا أحبتني طوال عمرها
بعد شهور طويلة...
تحسنت حالة ياسين تمامًا.
وعرفت قصته.
كان طفلًا ذكيًا وحساسًا.
فقد والدته في سن صغيرة.
ثم فقد الرجل الذي رباه.
ولم يبق له أحد تقريبًا.
وفي أحد الأيام كنت جالسة معه في حديقة المستشفى.
فسألته
فاكر يوم ما صحيت في الطوارئ وناديتني ماما؟
ابتسم بخجل.
وقال
أنا عارف إنك مش ماما.
أمال قلتها ليه؟
رفع رأسه للسماء وقال
لأني شفت صورتك عند جدتي قبل ما ټموت. وكانت دايمًا تقول إن فيه ست طيبة جدًا هتيجي في يوم وتلاقينا.
سكت لحظة.
ثم أكمل
ولما فتحت عيني وشفتك... حسيت إني وصلت.
دموعي نزلت من
ومسكت إيده الصغيرة.
بعد عام كامل...
اكتملت كل الإجراءات القانونية الخاصة برعايته.
وأصبحت أنا المسؤولة عنه.
ليس لأن بيننا رابطة أمومة مباشرة.
بل لأننا كنا آخر ما تبقى لبعضنا من تلك العائلة التي فرقتها السنوات.
وفي أول يوم دراسة بعد انتقاله للعيش معي...
وقف على باب البيت وهو شايل شنطته.
ثم جرى ناحيتي فجأة.
وحضني بقوة.
وقال
عارفة يا طنط نجلاء؟
ابتسمت.
إيه؟
قال وهو يضحك
أنا أول مرة أحس إن عندي بيت بجد.
وقتها فقط...
فهمت سبب الحلم الذي كان يزورني طوال تلك السنوات.
لم يكن نداءً من طفل مجهول.
بل كان طريقًا
حتى يجد كل منهما الآخر في النهاية.