انا وسلفتي اتجوزنا
كناش عرفنا! إحنا مسافرين برة مصر من فترة وشغلنا واخدنا، بس ده ما يمنعش إنك بنت الغالي. إحنا نازلين مصر الأسبوع الجاي، وجهزي نفسك لأننا جايين نزورك في بيتك الجديد بطاقم سياراتنا، وعايزين نتعرف على عيلتك الجديدة ونقوم بالواجب الكبير اللي فاتنا.
الكاتب_رومانى_مكرم
تسمرت في مكاني. نبضات قلبي تسارعت، ونظرت نحو الشقة المقابلة حيث كانت أصوات ضحكات حماتي وسلفتي تتعالى.
شعرت فجأة ببريق من الأمل، وقوة لم أعهدها من قبل تنبت في داخلي. تذكرت كل إهانة، كل كلمة يعر، وكل سخرية من أهلي ومن جهازي ومن صينية صباحيتي.
قلت لطارق بنبرة هادئة ولكنها واثقة تنوروا يا طارق.. البيت بيتك، مستنياكم بفارغ الصبر، ولازم تيجوا كلكم.
أغلقت الهاتف والابتسامة ترتسم على وجهي لأمل قادم. أدركت أن اللعبة كبِرت، وأن الأسبوع القادم سيشهد زيارة تقلب موازين القوى في بيت العائلة، وتجعل من استهزأ بفقري يعيد حساباته ألف مرة..
ولكن، كيف ستمر الأيام القادمة حتى تصل هذه الزيارة؟ وما هي المؤامرة الجديدة التي تجهزها حماتي وسلفتي لي قبل وصول البشوات؟وو سيبلى مرّ الأسبوع ببطء شديد، وكأن الأيام تتعمد أن تختبر صبري. لكن حماتي وسلفتي لم تتركانني ألتقط أنفاسي.
كل يوم كانت الحاجة فاطمة تجد سببًا جديدًا للسخرية.
مرة من طريقة لبسي.
ومرة من أكلة عملتها.
ومرة من هدية بسيطة جابها أخويا ليا.
وفي كل مرة كانت تنهي كلامها بجملتها المفضلة
الناس مقامات يا رشا... والواحد لازم يعرف حجمه.
كنت أبتلع الإهانة بصمت، لكن بداخلي نار تكبر يومًا بعد يوم.
أما سلوى، فكانت تستمتع بالمشهد.
كلما اشترت حقيبة جديدة أو قطعة ذهب، تعمدت المرور أمام شقتي.
وتقول بصوت مرتفع
الحمد لله على النعمة... الواحد لازم يتجوز من مستواه.
وفي إحدى الليالي، سمعتها تتحدث مع حماتي خلف باب المطبخ.
قالت سلوى
بصي يا ماما، لازم تفضلي تحطيها عند حدها... أصل الناس دي لو ادتلها عين هتركب فوق دماغك.
فضحكت حماتي وقالت
سيبيها عليا... أنا
كانت الكلمات كالسكاكين.
لكنني لم أرد.
كنت أنتظر.
أنتظر اليوم الذي سيصل فيه أولاد خالتي.
وقبل الزيارة بيومين فقط، وقعت المصيبة.
استيقظت صباحًا لأجد البيت كله في حالة هرج ومرج.
الحاجة فاطمة تصرخ.
وسلوى تبكي.
والجميع مجتمع في الصالة.
نزلت بسرعة أسأل
في إيه؟
فصرخت حماتي في وجهي
إنتِ جاية تسألي؟! العقد الذهب بتاع سلوى اختفى!
تجمدت في مكاني.
عقد ذهبي ضخم كانت تتباهى به دائمًا.
قلت بهدوء
وإيه علاقتي؟
ردت سلوى وهي تمسح دموعًا مزيفة
آخر واحدة دخلت شقتي كانت إنتِ.
شهقت من الصدمة.
إيه؟!
لكن حماتي لم تمنحني فرصة للدفاع عن نفسي.
وأمام كل العائلة قالت
أنا من الأول قلت إن الفقر بيعمل أكتر من كده.
شعرت أن الأرض تميد بي.
حتى كريم وقف مصدومًا.
وقال
ماما! الكلام ده مينفعش.
لكنها صاحت
اسكت! أنا عارفة أنا بقول إيه.
ثم حدث ما لم أتوقعه.
دخل شقيق زوجي فجأة.
وقال
العقد لقيته.
سكت الجميع.
سلوى اتسعت عيناها.
وسألته حماتي بسرعة
فين؟
رد بهدوء
في شنطة سلوى نفسها.
ساد الصمت.
نظر الجميع إلى سلوى.
احمر وجهها.
وتلعثمت
يمكن... يمكن نسيت إني حطيته هناك.
لكن نظرات الناس كانت تقول شيئًا آخر.
لأول مرة تهتز صورتها أمام العائلة.
ولأول مرة أشعر أن الله بدأ يُظهر الحقيقة.
وفي صباح اليوم المنتظر...
سمع البيت كله أصوات سيارات فاخرة تقف أمام المنزل.
سيارة.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
ثم الرابعة.
تجمع الجيران أمام البيت.
وخرجت حماتي إلى الشرفة لترى ما يحدث.
فجأة رأيتها تتجمد مكانها.
نزلت بسرعة.
ووراءها سلوى ووالدتها.
أما أنا فكنت أقف في مدخل البيت وقلبي يدق بقوة.
فتحت الأبواب.
وترجل منها رجال أنيقون يرتدون بدلات فاخرة.
خلفهم سيدات في غاية الرقي.
وفي المقدمة كان طارق.
ابن خالتي.
اقترب مني وفتح ذراعيه قائلًا
بنت خالي الغالية!
واحتضنني أمام الجميع.
ثم التفت إلى أمي وقبل رأسها.
وقال
سامحينا يا خالتي إننا اتأخرنا.
كانت حماتي تنظر للمشهد وكأنها لا تصدق.
أما الصدمة
حين بدأت السيارات تفرغ ما بداخلها.
هدايا.
أجهزة كهربائية فاخرة.
صناديق ضخمة.
مشغولات ذهبية.
وأطقم لا تُحصى.
حتى الجيران خرجوا يتفرجون.
همست سلوى لأمها
هو دول مين؟
لكن أمها لم تجد إجابة.
دخل الجميع إلى البيت.
وجلس طارق مع رجال العائلة.
ثم قال بابتسامة هادئة
إحنا الحقيقة زعلانين من رشا.
سألت حماتي بسرعة
ليه يا ابني؟
قال
عشان خبت عننا جوازها.
ثم أضاف
رشا بنت أخت أغلى إنسانة عندنا... ولو كانت قالت كلمة واحدة كنا عملنالها فرح يهز المحافظة كلها.
شعرت حماتي أن الكرسي يهتز تحتها.
لكن طارق لم ينتهِ.
أخرج ملفًا صغيرًا من حقيبته.
ووضعه أمامي.
وقال
دي شقة في القاهرة باسمك هدية مننا.
شهقت سلوى.
وكادت أمها تقع من الصدمة.
أما الحاجة فاطمة فبقيت تحدق في الملف وكأنها لا تصدق ما تراه.
ثم قال طارق جملته التي غيرت كل شيء
إحنا اتربينا إن قيمة الإنسان بأخلاقه... مش بجهازه ولا بفلوسه.
وساد الصمت.
صمت ثقيل جدًا.
لأن الجميع فهم المقصود.
وخصوصًا حماتي.
في تلك الليلة...
طرقت الحاجة فاطمة باب شقتي لأول مرة دون أوامر أو سخرية.
دخلت وجلست بصمت.
ثم قالت بصوت منخفض
سامحيني يا بنتي.
نظرت إليها بدهشة.
فأكملت وهي تكاد تبكي
أنا ظلمتك كتير.
لأول مرة أراها مكسورة.
ولأول مرة تدرك أن المال لا يصنع قيمة الإنسان.
أما سلوى...
فلم تستطع تحمل سقوط القناع.
وبدأت مشاكلها مع زوجها تظهر واحدة تلو الأخرى بعدما انكشف كذبها وحبها للمظاهر.
بينما أنا وكريم بدأنا حياة جديدة مختلفة.
حياة مبنية على الاحترام لا المقارنات.
وعرفت يومها درسًا لن أنساه أبدًا
الناس لا تُقاس بما تملكه... بل بما تحمله في قلبها. وقد يتأخر الحق، لكنه لا يضيع أبدًا لكن الحقيقة...
لم تكن زيارة أولاد خالتي هي نهاية الحكاية.
بل كانت بداية العاصفة الحقيقية.
فبعد أسبوع واحد فقط من تلك الزيارة، كنت جالسة أشرب الشاي مع أمي في شقتي، عندما سمعت صراخًا يهز البيت كله.
خرجت مسرعة.
فوجدت حماتي تضرب
وسلوى واقفة شاحبة الوجه.
وزوجها محمود يصرخ كالمجنون.
سألت بخوف
في إيه؟
لكن أحدًا لم يرد.
وفجأة لمحت ورقة ممسوكة في يد محمود.
كان عقد بيع.
عقد بيع قطعة أرض كبيرة.
الأرض الوحيدة التي كانت تملكها الحاجة فاطمة.
الأرض التي كانت تتباهى بها دائمًا وتقول إنها ثروة العائلة.
لكن الكارثة كانت في اسم المشتري.
اسم رجل غريب لا يعرفه أحد.
بعد ساعات من التحقيق والكلام...
ظهرت الحقيقة الصادمة.
محمود كان قد أعطى سلوى توكيلًا عامًا بعد الزواج بثلاثة أشهر فقط.
وكان يثق فيها ثقة عمياء.
وسلوى استغلت التوكيل.
وبدون علمه بدأت تدخل في مشاريع مع شقيقها.
ثم تراكمت الديون.
وعندما فشلت المشاريع باعت الأرض سرًا لتسدد خسائرها.
شعرت حماتي أن الدنيا تدور بها.
هي نفسها التي كانت تعيب على أهلي الفقر.
وتعتبر المال دليل الشرف.
اكتشفت أن من كانت تمدحها ليل نهار هي من أوشكت على ضياع مستقبل العائلة كله.
لكن الصدمة الأكبر جاءت بعد ذلك بيومين.
في المساء...
كان كريم عائدًا من العمل.
فوجد ظرفًا كبيرًا موضوعًا أمام باب شقتنا.
فتح الظرف.
ثم تغير لون وجهه فجأة.
سألته
في إيه؟
ناولني الأوراق بصمت.
وعندما قرأتها شعرت أن الدم تجمد في عروقي.
كانت إنذارات حجز.
ودعاوى قضائية.
وإيصالات أمانة بمبالغ ضخمة.
كلها باسم محمود.
وكلها مرتبطة بالمشاريع التي دخلتها سلوى.
أصبح شقيق زوجي مهددًا بالسجن.
في تلك الليلة...
جلست حماتي وحدها في الصالة تبكي.
ولأول مرة رأيتها بلا كبرياء.
بلا أوامر.
بلا مقارنات.
مجرد أم خائفة على ابنها.
دخلت عليها بهدوء.
فرفعت رأسها نحوي.
وكانت عيناها حمراوين من كثرة البكاء.
وقالت
أنا استاهل اللي بيحصلي.
لم أعلق.
لكنها أكملت
كنت فاكرة الفلوس أمان... وإن الفقير لازم يفضل تحت... وربنا بيوريني دلوقتي قد إيه كنت غلطانة.
ثم أمسكت يدي لأول مرة منذ زواجي.
وقالت
سامحيني يا بنتي.
وبينما كنا نحاول إنقاذ محمود من أزمته...
رن هاتفي في منتصف الليل.
كان طارق.
لكن
كان متوترًا جدًا.
وقال جملة جعلت قلبي يتوقف
رشا... لازم تيجي القاهرة بكرة الصبح فورًا.
سألته بقلق
خير يا طارق؟
ساد صمت طويل.
ثم قال
في موضوع يخص أبوكي الله يرحمه... وفضل مستخبي أكتر