تزوجتُ رجلًا مصابًا بمتلازمة داون من أجل ماله... لكن ما فعله يوم وقفت عائلته ضدي غيّر حياتي كلها!
كان بيت حيدر تفوح منه رائحة الخشب القديم وصابون اللافندر والوحدة هذا أول ما خطر ببالي لم يكن مهملًا بل كان نظيفًا ومرتبًا، وعلى الجدران صور كثيرة لسيدة أنيقة جدته عرفت ذلك لاحقًا قدّم لي قهوة خفيفة لأنه كان يؤمن أن الحوامل لا يجب أن يشربن الكثير من الكافيين ووضع الكليجة في صحن أزرق جلسنا لساعات بل هو الذي تحدث معظم الوقت وأنا استمعت حدثني عن جدته أمينة وكيف علمته استخدام الصراف الآلي وكيف يدفع الفواتير وكيف لا يوقّع على أي ورقة قبل قراءتها وكيف يقول لا حتى لو انزعج الناس ثم قال وهو ينظر إلى فنجانه لكن بعد ما توفت... صار الكل يريد يساعدني الطريقة التي قال بها كلمة يساعدني جعلتني أشعر بالبرد سألته وهل هذا شيء سيئ؟تأخر قبل أن يجيب ثم قال المساعدة هي أن يشرحوا لي. أما السيطرة فهي أن يقرروا بدلي حينها فهمت أن حيدر يرى أكثر مما يظن الناس أخبرني أن عمته سعاد تريد بيع البيت لأنه أكبر من حاجته وأن ابن عمه مهند يصر على إدارة أمواله لأن المصارف خطيرة وأن عمه جاسم يأخذ الفواتير منه حتى لا يرتبك سألته وأنت تريد بيع البيت؟رفع رأسه وكأنه شعر بالإهانة وقال لا. هنا غرفتي. وهنا شجرة الورد التي زرعتها جدتي. وهنا العلامة على الحائط عندما كنت صغيرًا شعرت بانقباض في صدري أنا لم يكن لدي بيت ولا غرفة خاصة ولا حتى علامة على جدار أستطيع أن أسميها ذكرياتي وقبل أن أغادر، أوصلني إلى البوابة وكان المطر قد توقف عندها قالها من دون موسيقى ومن دون خاتم ومن دون أي مقدمة. هل تتزوجينني؟كادت الحقيبة تسقط من يدي. ماذا؟هز كتفيه ببساطة. إذا تزوجت، سيتوقفون عن محاولة التحكم ببيتي. هذا ما قاله الأستاذ قاسم.
ابتسم حيدر.
جدتي جعلتني أتدرّب أمام المرآة.
لم يضحك الأستاذ قاسم، لكن عينيه ضحكتا.
وقّعنا اتفاقًا واضحًا قبل الزواج. فصل كامل للأملاك. البيت يبقى بيت حيدر. حساباته تبقى حسابات حيدر. أنا يحق لي أن أعيش هناك ما دام الزواج قائمًا، لكن لا يحق لي بيع أي شيء، ولا رهن أي شيء، ولا التصرف بأي شيء من دون موافقته.
وعندما انتهى الأستاذ قاسم من الشرح، نظر إليّ حيدر وقال
رأيتِ؟
ضحكت للمرة الأولى منذ أسابيع.
تزوجنا في المحكمة، يوم جمعة، الساعة العاشرة صباحًا.
ارتديت فستانًا كحليًا استعرته من ابنة خالتي، وانتعلت صندلًا لأن الأحذية لم تعد تناسب قدمي المتورمتين. أما حيدر فجاء بقميص أبيض وربطة حمراء، وشعره مرتب جدًا كأنه ذاهب لإلقاء بيان رسمي.
كانت أمي شاهدة.
والأستاذ قاسم أيضًا.
أما عائلة حيدر، فقد حضرت من دون دعوة.
دخلت عمته سعاد كأن المبنى ملكها، ترتدي عقدًا لامعًا، وتضع عطرًا قويًا، وعلى وجهها ملامح عزاء.
قالت قبل أن تسلّم
هذه مهزلة.
أما مهند، ابنها، فنظر إليّ من رأسي حتى قدميّ وقال
صدفة جميلة، أليس كذلك؟ حامل ووجدتِ بيتًا جاهزًا.
ضغطت على أسناني.
لكن حيدر تقدم خطوة إلى الأمام.
لا تتكلم هكذا مع زوجتي.
كلمة زوجتي سقطت على الجميع مثل صدمة باردة.
شحبت عمته سعاد.
حيدوري، أنت لا تفهم.
رفع إصبعه.
حيدر. ليس حيدوري.
سأل القاضي إن كانت الموافقة حرة.
قلت نعم، وصوتي يرتجف.
أما حيدر فقال نعم بصوت واضح وقوي، كأنه غاضب.
وتزوجنا.
لم تكن هناك حفلة.
كان هناك طعام بسيط في البيت، وحلوى صنعتها أمي بنفسها.
في تلك الليلة، قبل النوم، أراني حيدر غرفتي. كانت غرفة الخياطة القديمة الخاصة بجدته. وضع فيها سريرًا صغيرًا، وخزانة، ومهدًا مستعملًا حصل عليه من إحدى الجارات.
قال بتوتر
ليس جديدًا... لكن الأستاذ قاسم تأكد أنه ثابت وآمن.
مررت يدي على الخشب.
إنه مثالي.
أشار إلى الممر وقال
غرفتي هناك. إذا سمعتِني أشخر، ارمي عليّ نعالًا... لكن بهدوء.
كنا ننام في غرفتين منفصلتين.
ولم يحدث بيننا شيء.
وأريد أن أوضح هذا لأن الناس دائمًا يتخيلون الأسوأ.