دخلت علي جوزي بقلم زيزي احمد
دخلت على جوزي لقيته بيعيط على ذكرى حب قديم... لكن اللي كنت مخبياه جوايا كان أصعب بكتير.
لما دخلت الأوضة، لقيته قاعد على طرف السرير، ووشه بين إيديه، وكتافه بترتعش من العياط.
أول ما حس إني دخلت، حاول يمسح دموعه بسرعة، لكنه مقدرش.
بصلي وقال بصوت مكسور
النهارده... كان فرح البنت اللي كنت أتمنى أكمل حياتي معاها قبل ما أعرفك.
سكت شوية، وبعدها فضل يحكي.
حكى عن أيام فاتت، وعن أحلام كانت مرسومة، وعن ظروف فرقت بينهم من غير ما حد فيهم يكون وحش.
مكنتش عارفة أقول إيه.
قربت منه، وربتت على كتفه، وقلت بهدوء
ربنا يعوضك خير... وبكرة هيبقى أحسن إن شاء الله.
عدت الليلة، وتاني يوم صحيت بدري كعادتي.
حضرتله الفطار، ورتبت البيت، وفتحت اللابتوب أخلص شغلي، وبعدها استنيته يرجع من شغله، واتغدينا سوا، وكل حاجة كانت ماشية كأنها يوم عادي جدًا.
بالليل، وهو بيبصلي باستغراب، سألني
إنتِ مش زعلانة مني؟
ابتسمت ابتسامة هادية وقلت
لأ... بالعكس. ربنا يهون عليك، وكل يوم بيعدي بيخفف الوجع.
هز راسه وسكت.
لكن الحقيقة...
هو كان فاكر إنه الوحيد اللي عنده ذكرى قديمة لسه ساكنة قلبه.
وماكانش يعرف إن جوايا أنا كمان حكاية عمرها سنين.
مش حكاية علاقة، ولا مقابلات، ولا أي حاجة تغضب ربنا.
كل اللي كان بينا زمان مجرد إعجاب محترم من بعيد، في إطار يعرفه أهلنا، لكن الظروف وقتها خلت كل واحد يمشي في
عدت الأيام، وكل واحد كمل حياته.
وأنا حاولت أنسى.
مسحت أي أثر يخليني أفضل معلقة بالماضي.
لكن بعض الذكريات مبتتمسحش.
بتفضل ساكنة في القلب من غير ما تأذي حد، ومن غير ما تمنع الإنسان يقوم بواجبه.
علشان كده كنت بعمل كل واجباتي مع جوزي من قلبي.
أهتم بيه، وأسانده، وأحاول أخفف عنه أي تعب.
ولما كان يضايقني، كنت أول واحدة أبادر بالصلح، مش ضعف... لكن حفاظًا على بيت اخترت أكمله بما يرضي ربنا.
كنت مؤمنة إن الزواج مسؤولية ورحمة قبل أي شيء.
ومهما كان الماضي جميل، فهو فضل ماضي.
لكن رغم اقتناعي بكل ده...
كان فيه سؤال بيعدي على بالي أوقات وأنا ببص للسقف قبل ما أنام.
هو ليه الإنسان ممكن يفضل فاكر لحظة حلوة عاشها زمان، حتى بعد ما حياته اتغيرت؟
هل الذكريات فعلًا بتختفي؟
ولا بتتعلم بس تعيش في مكان بعيد جوا القلب من غير ما تأثر على الواقع؟
عمري ما سألت جوزي السؤال ده.
وعمري ما حكيتله إن عندي ذكرى قديمة أنا كمان.
مش خوفًا منه...
لكن لأن بعض الكلام، لما يتقال، ممكن يتفهم غلط مهما كانت النية صافية.
فاكتفيت بالصمت.
وفي كل مرة كنت بقول له
بكرة هيبقى أحسن.
كنت في الحقيقة بقولها لنفسي قبله.
وفضلت الأيام ماشية بهدوء...
لحد ما في يوم حصل شيء عمره ما جه على بالي...
وكل حاجة بدأت تتغير عدّى حوالي ست شهور بعد الليلة دي.
الحياة رجعت هادية
كل واحد فينا بقى عارف واجباته، وبيحاول يخلّي البيت مستقر.
وجوزي بطل يجيب سيرة الماضي تمامًا، وكأنه قرر يقفل الصفحة دي للأبد.
وأنا كمان كنت مقتنعة إن الذكريات مكانها القلب وبس... مش الحياة.
لحد صباح يوم جمعة.
كنت راجعة من السوبر ماركت، وماشية بهدوء في الشارع.
وفجأة...
سمعت حد بينادي اسمي.
الاسم اتقال بنفس الطريقة اللي محدش كان بينطقها غير شخص واحد زمان.
وقفت مكاني.
لفّيت ببطء...
ولقيت راجل واقف على الرصيف المقابل، باصصلي باستغراب، وكأنه هو كمان مش مصدق اللي شايفه.
فضلت أبصله ثواني من غير كلام.
ملامحه اتغيرت، لكن عينيه كانوا زي ما هما.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
إزيك... بقالنا سنين.
اتلخبطت.
كل الذكريات اللي كنت فاكرة إنها نامت جوايا، صحيت في لحظة.
لكن أول حاجة قلتها كانت
الحمد لله... إزيك إنت؟
رد بابتسامة هادية
بخير... كنت فاكر إني مستحيل أشوفك تاني.
كان الكلام عادي جدًا.
مفيهوش تجاوز.
ولا فيه أي حاجة غلط.
وفي نفس اللحظة، رني تليفوني.
بصيت لقيت جوزي بيتصل.
رديت فورًا.
قال
أنا خلصت بدري النهارده... أجيبلك حاجة وأنا راجع؟
بصيت قدامي للشخص الواقف، وبعدها قلت
لأ... أنا خلاص في الطريق للبيت.
قفلت المكالمة، ومسكت الشنط، وقلت
اتشرفت إني اطمنت عليك... ربنا يوفقك.
هز راسه وقال
ولكِ بالمثل.
ومشيت.
كنت ماشية بسرعة، وقلبي بيدق بشكل غريب.
مش علشان
لكن علشان أول مرة أفهم إن الإنسان ممكن يكون نسي يعيش مع الذكرى، لكنه عمره ما بينسى إحساس المفاجأة.
وصلت البيت.
حطيت الأكياس في المطبخ، وغسلت وشي بالمية الباردة.
وقلت لنفسي
خلاص... اللي حصل انتهى.
لكن وأنا بطلع الموبايل من الشنطة...
اتفاجئت بإشعار وصل في نفس اللحظة.
رسالة من رقم غير مسجل.
فتحتها بتردد...
وكان مكتوب فيها
أنا آسف لو ظهوري فجأة ضايقك... لكن في حاجة مهمة لازم تعرفيها... وكنت مستني الصدفة دي من سنين.
وقبل ما أستوعب الرسالة...
سمعت صوت مفتاح الشقة بيلف في الباب...
وجوزي دخل البيت اتجمدت إيدي وهي ماسكة الموبايل.
من غير ما أفكر، قفلت الشاشة بسرعة وحطيته على الرخامة.
وفي نفس اللحظة، دخل جوزي وهو بيبتسم.
قال وهو شايل كيس في إيده
جبتلك الحلو اللي بتحبيه... قولت يمكن يغير مودنا شوية.
ابتسمت ابتسامة بسيطة، وحاولت أبقى طبيعية.
قعدنا نتغدى، واتكلمنا في شوية تفاصيل عادية عن الشغل والبيت.
لكن طول الوقت، الرسالة كانت بتلف في دماغي.
في حاجة مهمة لازم تعرفيها...
إيه هي؟
وليه دلوقتي؟
وليه بعد السنين دي كلها؟
بعد ما جوزي نام، فتحت الموبايل تاني.
فضلت أبص للرسالة شوية، وبعدها كتبت
خير؟
معدتش عشر ثواني، ولقيته رد.
أنا مش هطول عليك، ومش عايز أسببلك أي مشكلة. لو مش حابة تردي تاني احترم ده.
ارتحت شوية.
على الأقل طريقته كانت
بعت بعدها رسالة تانية.
بس فيه أمانة عندي بقالها سنين... ولازم أوصلها لصاحبها.
استغربت.
كتبت
أمانة إيه؟
لكن