دخلت علي جوزي بقلم زيزي احمد
عليه إنه بقاله سنين مقفول.
خبط جوزي على الباب.
بعد لحظات، فتح راجل كبير في السن، شعره كله أبيض، وعينيه مليانة تعب.
بصلي وقال
اتفضلي... كنت مستنيكم.
دخلنا.
البيت كان مليان مكتبات وصناديق خشب قديمة.
الراجل طلع صندوق صغير، وحطه قدامنا على الترابيزة.
وقال
قبل ما تفتحوه... لازم تعرفوا إن اللي فيه هيغير نظرتكم لحاجات كتير.
فتح الصندوق بالمفتاح اللي كان في الظرف.
طلع منه ملف بني قديم...
وشريط كاسيت...
وخطاب مكتوب عليه
لا يُفتح إلا بعد مرور عشر سنوات.
جوزي مد إيده بسرعة، لكن الراجل منعه.
وقال
استنى... لازم تعرف الأول ليه اتكتب الخطاب ده.
ابتلع ريقه، وبص ناحيتي، وقال
من أكتر من عشر سنين... كان في قرار واحد، اتاخد بحسن نية... لكنه فرّق بين ناس، وغيّر مصير بيوت كاملة.
ثم سكت لحظة، وأكمل بصوت منخفض
والشخص اللي مات... عاش عمره كله وهو حاسس بالذنب، وكان نفسه يعتذر قبل ما يقابل ربنا.
مد إيده بالخطاب ناحية جوزي، وقال
دلوقتي... جه وقت تعرفوا الحقيقة.
جوزي مسك الظرف بإيد مرتعشة...
ولما بدأ يفتح الختم القديم...
سمعنا فجأة صوت عربية وقفت بعنف قدام البيت...
وبعدها مباشرة...
حد خبط على الباب خبطات قوية، وصوت راجل صاح من بره
إوعوا تفتحوا الخطاب... لأنه لو اتفتح، هتضيع عيلة كاملة!أنا وجوزي بصينا لبعض في ارتباك.
جوزي قال بسرعة
يعني إيه في حد جاي؟
الراجل الكبير اتجه ناحية الشباك، وبص بره ثواني، وبعدها رجع وقال بصوت منخفض
مش كل الناس كانت عايزة الحقيقة تظهر... وفي ناس شايفة إن الماضي لازم يفضل مدفون.
المحامي هز راسه وقال
امشوا دلوقتي... وخدوا الظرف معاكم. المهم إنه يفضل في إيديكم.
جوزي مسك الظرف الصغير، وأنا شلت الملف، وخرجنا من الباب الخلفي للبيت.
كان فيه ممر ضيق بين البيوت القديمة.
مشينا بسرعة من غير ما نبص ورانا.
بعد دقائق، ركبنا العربية، ولسه جوزي هيدور الموتور، لمح عربية سودة وقفت قدام البيت اللي كنا فيه.
خرج منها تلات رجالة.
واحد منهم كان ماسك ملف بني... شبه الملف اللي معانا بالظبط.
جوزي همس
إحنا نمشي حالًا.
تحرك بالعربية بهدوء من غير ما يلفت الانتباه.
فضلنا ساكتين لحد ما وصلنا البيت.
أول ما قفلنا الباب، حط جوزي الظرف على الترابيزة.
قال
المرة دي... هنفتحه سوا.
هزيت راسي بالموافقة.
فتح الشمع الأحمر بحذر.
كان جواه ورقة واحدة فقط.
قرأها بصوت مسموع
إذا وصل إليكم هذا الخطاب، فاعلموا أن أكبر خطأ ارتكبناه لم يكن في قرار زواج أو فراق... بل في سكوتنا عن الحقيقة.
وبعدها كانت فيه ورقة مطوية أصغر.
فتحتها أنا.
ولقيت فيها صورة قديمة جدًا.
الصورة كانت لعيلتين واقفين جنب بعض في مناسبة قديمة.
بصيت فيها كويس...
واتفاجئت.
في الصف الأول، كان فيه طفل صغير ماسك
الطفل كان جوزي.
والطفلة...
كنت أنا.
رفعت الصورة وأنا مش مستوعبة.
قلت بصوت مرتعش
إحنا... اتقابلنا قبل كده؟
جوزي أخد الصورة من إيدي، وفضل يبصلها وقت طويل.
وفجأة افتكر حاجة.
قال
أيوه... فاكر اليوم ده... بس كنت فاكر البنت دي بنت الجيران.
قبل ما نلحق نستوعب المفاجأة...
وقع من بين الورق ظرف صغير جدًا، ماكناش واخدين بالنا منه.
كان مقفول بإحكام، ومكتوب عليه بخط مختلف
هذه الرسالة لم يقرأها أحد... وإذا فُتحت، ستعرفون السبب الحقيقي الذي غيّر مصير العائلتين منذ أكثر من عشرين عامًا جوزي بصلي وقال
مهما كان اللي مكتوب... هنكمله سوا.
هزيت راسي، وفتحت الظرف بإيد مرتعشة.
كانت الرسالة قصيرة، لكنها قلبت كل اللي كنا فاكرينه.
إلى من سيقرأ هذه الرسالة...
لو وصلتكم، يبقى ربنا أراد إن الحقيقة تظهر بعد كل السنين دي.
من عشرين سنة، كانت العيلتين متفقين على شراكة كبيرة، وكانت الصداقة بينهم أقوى من أي نسب.
لكن شخص استغل الثقة دي، وزور مستندات، ونقل كلام كدب بين الطرفين، لحد ما وقعت خصومة كبيرة، وكل عيلة صدقت إن التانية خانتها.
بسبب الخصومة دي، اتلغت زيجات كانت هتجمع العيلتين، واتفرق ناس ملهاش أي ذنب.
وبعد سنين، اكتشفنا إن كل اللي حصل كان مبني على كذبة، لكن كان فات الأوان. كل واحد كان بنى حياته، وخاف يهدم بيوت مستقرة علشان يصلح الماضي.
لو أنتم بتقروا الرسالة دي، متسمحوش لذنبنا يكمل في حياتكم. حافظوا على بيوتكم، ومتخلوش الذكريات أو الندم يسرقوا منكم النعمة اللي بين إيديكم.
خلص جوزي القراءة، وساب الورقة تنزل من إيده.
فضلنا ساكتين.
كل الأسئلة اللي كانت في دماغنا لقينا إجابتها.
لا كان فيه خيانة.
ولا حد باع التاني.
ولا الحب القديم كان السبب في وجعنا.
السبب الحقيقي كان الكذب... وسوء الظن... وسكوت الناس عن الحقيقة.
بصلي جوزي بعين مليانة دموع وقال
أنا يوم ما حكيتلك عن الماضي، كنت فاكر إني بفضفض بس... لكن النهارده عرفت إن الإنسان لازم يشكر ربنا على اللي كتبهوله، حتى لو مكانش فاهم الحكمة وقتها.
ابتسمت لأول مرة من قلبي.
وقلت
وأنا كمان اتعلمت إن الذكريات مش عيب... العيب إننا نعيش فيها وننسى النعمة اللي في إيدينا.
قام من مكانه، ولمّ كل الصور والخطابات.
قال
الماضي مكانه الذكرى... مش المستقبل.
ونزلنا في اليوم التالي للراجل الكبير والمحامي.
سلمناهم كل الأوراق، وطلبنا منهم يحفظوها بعيد عن أي حد، لأن الحقيقة وصلت لأصحابها، ومبقاش لها داعي تفتح جراح قديمة.
بعدها رجعنا بيتنا.
أول مرة حسيت إن البيت هادي فعلًا.
لا لأن الماضي اختفى...
لكن لأننا أخيرًا بطلنا نخاف منه.
ومن يومها، كل ما واحد فينا يضيق أو يتعب، التاني يبتسم ويقول
بكرة هيبقى أحسن.
المرة دي...
ما كانتش مجرد جملة
كانت وعدًا إننا هنختار بعض كل يوم، ونحافظ على البيت اللي جمعنا، ونسيب الماضي عند صاحبه.
تمت.