دخلت علي جوزي بقلم زيزي احمد
قبل ما الرسالة تتبعت...
الموبايل فصل شحن.
حطيته في الشاحن، وقلت لنفسي
بكرة أشوف.
تاني يوم الصبح، وأنا بجهز الفطار، جوزي خرج من الأوضة وهو ماسك ظرف أبيض.
قال باستغراب
الظرف ده كان تحت باب الشقة.
مسكته منه.
ملقيناش عليه اسم المرسل.
ولا أي عنوان.
فتحت الظرف بحذر.
كان جواه صورة قديمة جدًا...
صورة ليا وأنا في حفلة تخرج المدرسة، واقفة وسط زمايلي.
بصيت للصورة كويس.
وفي ضهرها مكتوب بخط إيد أعرفه كويس
بعض الدعوات استجابها ربنا بطريقة مختلفة... الحمد لله على كل حال.
وقعت الصورة من إيدي.
لأن الجملة دي...
كانت نفس الجملة اللي كان دايمًا يرددها زمان.
لكن قبل ما أتكلم...
جوزي انحنى جاب الصورة من على الأرض، وقلبها يشوف المكتوب...
وساعتها اتغيرت ملامح وشه فجأة، وبصلي نظرة عمري ما شوفتها في عينه قبل كده، وقال بهدوء مخيف
مين صاحب الخط ده؟اتجمد الكلام على لساني.
بصيت للصورة... وبعدين بصيت لجوزي.
كان مستني الإجابة، لكن من غير صوت عالي، ولا عصبية.
قلت بهدوء
ده شخص كنا نعرف بعض من زمان... قبل جوازنا بسنين. مفيش بينا أي علاقة، ولا حصل بينا أي حاجة غلط. وكل واحد راح في طريقه.
فضل ساكت.
حط الصورة على الترابيزة، وقال
طيب... والظرف ده جه إزاي؟
هزيت راسي وأنا بقول
والله ما أعرف.
في اللحظة دي، رن جرس الباب.
أنا وجوزي بصينا لبعض.
فتح الباب...
وكان ساعي توصيل واقف، ماسك ظرف تاني أصغر.
قال
حضرتك
ذكرتله اسمي.
ناولني الظرف وقال
اتفضل... ده متسجل إنه اتبعت من فترة، لكن حصل تأخير في التسليم.
مضى جوزي بالاستلام، وقفّل الباب.
فتحنا الظرف سوا.
كان جواه مفتاح صغير، ومعاه ورقة مكتوب فيها
الأمانة في الخزانة رقم 17... زي ما اتفقنا زمان.
أنا عقدت حواجبي.
قلت باستغراب
أنا عمري ما اتفقت مع حد على أي خزانة.
جوزي كان مركز في الورقة.
وفجأة قال
استني...
قرب الورقة من النور.
الخط ده... مش هو نفس الخط اللي على الصورة.
أخدت الورقتين وقعدت أقارن بينهم.
وفعلًا...
كان فيه فرق واضح.
حد كتب الرسالة الأولى...
وحد تاني كتب الرسالة دي.
يعني فيه شخصين في الموضوع.
أو...
فيه حد بيحاول يوصل رسالة باسم شخص تاني.
وفي الوقت ده، الموبايل اشتغل بعد ما شحن.
أول ما فتحته، لقيت عشر مكالمات فائتة من الرقم المجهول.
وقبل ما أقرر أعمل إيه...
الرنة اشتغلت من جديد.
بصيت لجوزي.
قال بهدوء
ردي... وأنا قاعد جنبك.
فتحت السماعة، وشغلت الصوت الخارجي.
جالنا صوت راجل كبير في السن، صوته مرهق.
قال
أنا آسف إني دخلت حياتكم بالشكل ده... لكن لازم تعرفوا إن الشخص اللي بعتلكم الصورة... مات من أسبوع.
أنا وجوزي بصينا لبعض في صدمة.
والراجل كمل
وقبل ما يموت، سلمني أمانة، وقالي مهما حصل لازم توصل للبنت دي بنفسها... لأن الحقيقة اللي مستخبية من أكتر من عشر سنين هتغيّر حياة ناس كتير.
وسكت لحظة...
وبعدين قال اسمًا.
كلنا بصينا ناحية الباب.
الخبط زاد، والصوت بقى أعلى
افتحوا بسرعة... قبل ما تعملوا مصيبة!
الراجل الكبير أخد نفس عميق، وكأنه كان متوقع اللحظة دي.
قام بهدوء وقال
أخيرًا جه... كنت عارف إنه هيحاول يمنعكم.
فتح الباب.
دخل راجل في أواخر الخمسينات، هدومه متبهدلة من السفر، ووشه مليان إرهاق.
أول ما شاف الصندوق على الترابيزة، قال بعصبية
قلتلك متسلمهمش الخطاب!
رد الراجل الكبير بهدوء
وعدته... والوعد دين.
الراجل الجديد بص لنا وقال
أنا مش جاي أخبي الحقيقة... أنا جاي أمنع ظلم جديد.
جوزي اتكلم لأول مرة
حضرتك مين أصلًا؟
رد وهو بيطلع بطاقة قديمة من جيبه
أنا المحامي اللي كان مسؤول عن كتابة الوصية والأمانات دي من أكتر من عشر سنين.
سكت لحظة، ثم كمل
والشاب اللي مات قبل أسبوع... عاش عمره كله ندمان، لأنه افتكر إن قراره وقتها كان صح، لكنه اكتشف متأخر إنه دمّر حياة ناس بريئة.
أنا سألت بتوتر
هو يقصد مين؟
بصلي وقال
يقصد نفسه.
وبعدين وجه كلامه لجوزي
أبوك... والشاب ده... كانوا أصحاب عمر. ولما حصلت خلافات كبيرة بين العيلتين، كل واحد صدق كلام اتنقل له من غير ما يتأكد.
جوزي عقد حواجبه
يعني إيه؟
المحامي قال
يعني ناس كتير اتفرقت... بسبب إشاعات، وسوء فهم، وكلام اتقال ونُقل غلط. لا كانت فيه خيانة، ولا مؤامرات، ولا أي حاجة
بصيت للراجل الكبير باستغراب.
قال وهو بيشاور على الخطاب
كل الإجابات هنا.
مد جوزي إيده مرة تانية.
فتح الظرف ببطء...
طلع منه كذا ورقة، وفي آخرهم ظرف صغير مقفول بالشمع الأحمر.
وعليه جملة واحدة بخط واضح
ده يُفتح بمعرفة الزوجين معًا... لأن القرار اللي بعده لازم يكون باتفاقكما.
أنا وجوزي بصينا لبعض.
ولأول مرة من بداية كل اللي حصل، حسيت إن الموضوع معدش يخص الماضي بس...
كان هيغير مستقبلنا إحنا كمان.
وقبل ما نفتح الظرف الصغير...
رن تليفون الراجل الكبير.
رد، ووشه اتبدل تمامًا.
قفل المكالمة، وبصلنا بقلق شديد وقال
لازم تمشوا حالًا... في حد عرف إن الخطاب وصل لكم... وهو في الطريق على هنا قال الاسم بوضوح...
اسم والد جوزي.
أنا وجوزي بصينا لبعض في ذهول.
جوزي اتكلم بسرعة
حضرتك... إيه علاقة أبويا بالموضوع؟
الراجل أخد نفس طويل وقال
أنا مش هينفع أحكي حاجة في التليفون. كل اللي أقدر أقوله إن الأمانة اللي معايا مش تخص حضرتك لوحدك... تخص العيلتين.
وقبل ما نسأله أي سؤال...
قال عنوان مكان هادي على أطراف المدينة، وأضاف
لو عايزين تعرفوا الحقيقة... تعالوا بكرة الساعة خمسة. ولو مجتوش، هعتبر إنكم اخترتوا تفضلوا زي ما أنتم.
وقفّل المكالمة.
فضلنا ساكتين.
الصمت المرة دي كان أتقل من أي كلام.
جوزي قعد على الكرسي، وحط إيده على راسه.
وقال
أنا حاسس إن في حاجة مستخبية عني من سنين.
قلت بهدوء
وأنا كمان.
في اليوم التاني...
ركبنا العربية، وطول الطريق ولا واحد فينا نطق بكلمة.
وصلنا العنوان.
كان بيت قديم، بسيط، باين