سفر جوزى

لمحة نيوز

بعد ما جوزي خرج من البيت في سفرية شغل، بنتي اللي عندها ست سنين همستلي وهي بترتعش
يا ماما لازم نهرب. دلوقتي.
بصيتلها باستغراب وقلت
إيه؟ نهرب ليه؟
قالت وهي دموعها على وشها
مفيش وقت لازم نطلع من البيت حالًا.
جريت لمّيت شنطتنا، ومسكت إيدها، ومديت إيدي على مقبض الباب
وفي اللحظة دي حصل اللي عمري ما كنت أتخيله.
جوزي كان لسه خارج بعربيته من قدام البيت، وقال إنه مسافر يومين شغل، لما بنتي ليان همستلي
يا ماما لازم نهرب. دلوقتي.
كانت الساعة 718 الصبح.
الجو كان مكشر، وريحة القهوة لسه مالية المطبخ، وفتافيت التوست على الرخامة، وريحة المنظف بالليمون اللي كنت رشيته على الحوض كانت مالية المكان.
برا، عربية كريم كانت اختفت من الشارع من أقل من نص ساعة.
قبل ما يمشي، باسني على جبيني عند الباب وقال بابتسامته المعتادة
هرجع الأحد بالليل ومتشغليش بالك بأي حاجة.
ودي كانت الجملة اللي بيقولها كل مرة يبقى فيه حاجة فعلًا تستدعي القلق.
بصيت لقيت ليان واقفة عند باب المطبخ، لابسة الشراب بس، وممسكة طرف البيجامة بتاعتها بإيديها الصغيرة.
وشها كان شاحب.
وشعرها منكوش من النوم.
وصوابعها كانت قابضة على هدومها لدرجة إنها علمت فيها.
حاولت أضحك وأخفف الجو.
قلت
نهرب إيه بس؟ في إيه يا حبيبتي؟
هزت راسها بسرعة وقالت وهي بتهمس
مفيش وقت لازم نخرج من البيت حالًا.
صوت التلاجة كان شغال.
وغسالة الأطباق بتطلع صوت خفيف.
وفي

الشارع، باب عربية جارنا اتقفل
كل حاجة كانت طبيعية
إلا بنتي.
نزلت على ركبتي قدامها.
وقلت بهدوء
ليان سمعتي حاجة؟ حد دخل البيت؟
فجأة مسكت معصمي.
إيدها كانت غرقانة عرق.
وقالت بصوت مكسور
يا ماما أرجوكي سمعت بابا امبارح وهو بيتكلم في التليفون.
حسيت معدتي اتقبضت.
قلت
سمعتي إيه؟
بصت حواليها پخوف، كأن الحيطان نفسها ممكن تنقل الكلام.
وقالت
كان بيكلم راجل.
سكتت لحظة
وبعدين قالت
بابا قال هو خلاص مشي.
وقال النهارده كل حاجة هتحصل.
وقال إحنا مش هنكون موجودين لما كل حاجة تخلص.
في كلام
ولا طفل في الدنيا المفروض يشيله جواه.
ولا يسمعه وهو مستخبي تحت البطانية.
بل ولا حتى يعرف معناه.
بلعت ريقي.
وقلت
كان بيكلم مين؟
قالت
راجل.
وسمعته بيقول
خليها تبان حاډثة.
وبعدين
ضحك.
ثانية واحدة
وعقلي رفض يصدق.
أنا وكريم كنا پنتخانق كتير.
على الفلوس.
وعلى عصبيته.
وعلى ساعات اختفائه في سفريات الشغل.
وعلى فواتير الفنادق اللي كان بيقول إنها شغل مع العملاء.
وعلى طريقته إنه يقلب أي سؤال أسأله لاتهام إني نكدية أو شكاكة.
لكن
القټل؟
ده عمره ما جه في بالي
غير لما بنتي قالت الجملة دي.
ما سمحتش لنفسي أعيط.
الخۏف كان أسرع من التفكير.
قلت وأنا بحاول أبان هادية
تمام.
هنمشي.
دلوقتي.
جسمي اتحرك لوحده.
خدت شنطتي.
وحطيت فيها الشاحن.
وفتحت الدولاب اللي فوق الميكروويف.
طلعت الملف الأزرق اللي ماما كانت مصرة أحتفظ بيه من يوم
ما ليان اتولدت.
جواه
شهادة ميلادها.
البطاقات.
التأمين.
صور الباسبور.
كشف حساب البنك.
وقسيمة الجواز.
الساعة كانت 723.
لقيت ورقة رحلة الطيران بتاعة كريم لسه تحت مج القهوة على الرخامة.
صورتها بالموبايل.
مش عشان فاهمة كل حاجة.
لكن عشان الدليل
بيختفي لما الناس تخاف.
خدت شنطة ليان.
حطيت فيها البخاخ بتاع الحساسية.
وقطعة بسكويت.
وأرنبها اللعبة اللي مبتنامش من غيره.
ماخدتش هدوم.
ولا لعب.
ولا حتى الصورة اللي معلقة في الطرقة لينا إحنا التلاتة.
الصورة اللي كريم فيها حاطط إيده على كتفي
كأنه صاحب البيت
وصاحب حياتي.
ليان كانت واقفة عند الباب بتقول كل شوية
يلا يا ماما بسرعة.
كنت عايزة أكلم الشرطة.
كنت عايزة أفضحه.
وأقول لكل الناس إنه بيخطط يعمل فينا حاجة.
لكن
بدل كل ده
حطيت الموبايل في جيبي.
ومسكت كتف ليان.
ومديت إيدي على مقبض الباب.
وفجأة
سمعت صوت الكالون بيفتح.
لكن
مش من ناحيتي.
من برة.
ليان وقفت مكانها.
حتى نفسها اتحبس.
وفي اللحظة اللي بعدها
سمعت حد واقف قدام الباب
بيهمس باسمي.
ندى
صوت كريم.
مش صوت الوداع اللي كان من ساعة، ولا صوت جوزي اللي أعرفه. كان صوت تقيل، بارد، فيه نبرة غريبة خلت شعر جسمي يقف.
ندى...
الكلمة اتكررت تاني، بس المرة دي كانت متبوعة بصوت تكة المفتاح
وهو بيلف في الكالون. كريم رجع؟ طب والسفرية؟ طب والشنطة اللي جهزها قدامي عشان الشغل؟
ليان اتجمدت في مكانها، عيونها وسعت
لدرجة إني شفت البياض حوالين النني، وبدأت ترتعش بشكل هستيري. حطيت إيدي على بقها بسرعة قبل ما تصرخ، وغمزت لها إني أتحرك، لكن الحقيقة؟ أنا كنت مېتة من الړعب.
الباب بدأ يفتح ببطء شديد. ضوء الصبح الشاحب بدأ يتسرب للطرقة الضلمة، ويرسم خط طويل على السجادة.
بصيت لليان، وبصيت للمطبخ، وبصيت للباب الخلفي اللي بيوصل للجراج.
لو طلعت من الباب الرئيسي، هيشوفنا. ولو فضلت واقفة، هيدخل ويشوفنا.
في اللحظة اللي الباب فيها كان مفتوح بمقدار شبر، شديت ليان ورميت نفسي في أوضة الغسيل الصغيرة اللي جنب الباب الرئيسي، وقفلت الباب من جوه بصمت.
سمعت صوت خطوات كريم... تقيلة.
مش بيمشي زي ما بيمشي جوه البيت عادةً. كان بيمشي ببطء، بانتظام، كأنه بيدور على حاجة.
ندى؟ أنا عارف إنك هنا... نسيت ملف مهم في المكتب.
كڈبة.
ملف إيه اللي يخليه يرجع بعد ساعة؟ وملف إيه اللي يخليه يهمس بدل ما ينادي بصوته الطبيعي؟
سحبت ليان ورا الغسالة، كانت بتترعش جامد.
طلعت الموبايل بسرعة، بس اتفاجئت إن الشاشة سودا. حاولت أفتحه... مفيش فايدة. التاتش اتجمد. التليفون اللي كان في إيدي من لحظة، كان كأنه ماټ.
بصيت لليان اللي بتهمس هو مش لوحده يا ماما.
بصيت من فتحة صغيرة في باب أوضة الغسيل.
كريم واقف في الصالة، وظهره ليا. ومعاه راجل تاني... طويل، لابس جاكيت أسود، إيده في جيبه، وبيوزع نظراته في كل ركن في الشقة كأنه بيمسح المكان.
الراجل
همس فينهم؟
كريم رد بصوت واطي بس مسموع مش عارف، بس هي مش ممكن تكون خرجت، العربية لسه في الجراج. أكيد في واحدة من الأوض.
قلبي كان بيدق في ودني كأنه
 

تم نسخ الرابط