بعد ماسمعت من صاحب الشركة

لمحة نيوز


من سنتين ونص...
هو اللي بيجري وراها.
قال بصوت واطي
أمينة... إنتِ ناوية تسيبي الشركة؟
بصت له ثانية كاملة.
كنت ناوية أقدم استقالتي آخر الأسبوع.
الكلمة نزلت عليه كالصاعقة.
ليه؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة، مفيهاش أي شماتة.
لأن الإنسان لما يحس إنه بقى مجرد قطعة أثاث... بييجي وقت ويغير المكان.
سكت.
كان فاهم هي تقصد إيه.
لكن مقدرش يقول إنه سمع الكلام.
هي نفسها ما جابتش سيرته.
أستاذ حسام تدخل وهو بيقول
إحنا بقالنا شهرين بنتفاوض مع الآنسة أمينة. الحقيقة إن اسمها متردد في السوق من فترة، وكل الناس بتتكلم عن كفاءتها.
زياد لف ناحيته بسرعة.
إزاي؟
ابتسم الرجل.
حضرتك يمكن متعرفش... لكن أغلب أنظمة التشغيل اللي عندكم هي اللي عملتها.
زياد عقد حاجبيه.
يعني إيه؟
أمينة ردت بهدوء
فاكر لما السيستم وقع السنة اللي فاتت؟
هز رأسه.
أيوة.
أنا اللي بنيته من جديد.
والمخازن؟
أنا اللي نظمتها.
وتقارير المبيعات؟
أنا اللي عملت نموذجها.
زياد افتكر فجأة.
كل مرة كان يقول
شغل ممتاز.
وهي كانت ترد
الحمد لله.
من غير ما تنسب الفضل لنفسها.
أستاذ حسام كمل
الشركة عندنا عرضت عليها منصب مدير تطوير العمليات... مش سكرتيرة.
زياد بلع ريقه.
أول مرة يعرف إن البنت اللي كان شايفها مجرد سكرتيرة...
كانت في الحقيقة العقل اللي بيخلي نص الشركة ماشية.
في اللحظة دي...
خرج شريف من قاعة الاجتماعات.
أول ما شاف أستاذ حسام ضحك.
إيه ده؟ حضرتك هنا؟
صافحه بحرارة.
ثم بص لأمينة وقال
واضح إنهم سبقونا.
زياد استغرب.
إنت تعرفه؟
شريف هز رأسه.
طبعًا... ده المدير التنفيذي لشركة النور الطبية.
ثم بص لزياد باستغراب.
هو إنت بجد ماكنتش تعرف إنهم بيحاولوا يخطفوا أمينة من عندنا من زمان؟
زياد حس إن قلبه دق بقوة.
من... زمان؟
آه... وهي كل مرة كانت ترفض.
زياد بص لأمينة.
رفضتي... ليه؟
نزلت عينيها على الظرف اللي في إيدها.
ثم قالت بصوت هادئ
لأن والد حضرتك هو اللي اداني أول فرصة بعد وفاة بابا.
سكتت لحظة.
وكان نفسي أرد الجميل... وأسيب الشركة

وهي واقفة على رجليها.
زياد افتكر والده...
كم مرة كان يقوله
حافظ على أمينة... البنت دي نعمة.
وكان فاكر إنه بيقصد إنها موظفة مخلصة.
لكن يبدو...
إن والده كان شايف فيها حاجة هو عمره ما انتبه لها.
وقبل ما حد يتكلم...
رن هاتف أمينة.
بصت للشاشة، وتغيرت ملامحها فجأة.
ردت بسرعة
أيوة يا دكتور...
سكتت وهي بتسمع.
ثم شحب وجهها بالكامل.
حضرتك بتقول إيه؟!أمينة سكتت للحظات، وكل اللي حواليها لاحظ إن لون وشها اتغير.
شدت على التليفون بإيد مرتعشة وقالت
أنا جاية حالًا... متعملوش أي إجراء غير لما أوصل.
قفلت المكالمة، وخدت نفسًا عميقًا وهي بتحاول تتمالك نفسها.
زياد قرب خطوة.
فيه إيه؟
أجابت باختصار
خالتي.
مالها؟
وقعت في البيت... والجيران نقلوها المستشفى.
أستاذ حسام قال فورًا
أنا أوصلك.
لكن أمينة هزت رأسها.
شكرًا... هطلب عربية.
زياد قال بسرعة، من غير ما يفكر
تعالي... أنا هوصلك.
رفعت عينيها له.
كانت أول مرة من الصبح تبص له بتركيز.
ثم قالت بهدوء
متشكرة يا فندم... هتصرف.
ولفت تمشي.
لكن قبل ما تبعد، لحقها شريف وقال
استني... الطريق دلوقتي زحمة جدًا. هيضيع وقت.
زياد أخرج مفاتيح عربيته ومدها ناحيتها.
لو مش عايزة أجي معاكي، خدي العربية والسواق هيوصلك.
ترددت للحظة.
ثم وافقت على مضض.
شكرًا.
نزلت بسرعة، وخرج السواق وراها.
فضل زياد واقف مكانه، يبص لباب الشركة اللي خرجت منه.
أستاذ حسام بص له وقال
واضح إنك أول مرة تعرف مين هي أمينة فعلًا.
زياد ابتسم ابتسامة باهتة.
واضح.
قال أستاذ حسام وهو بيعدل جاكيته
في ناس وجودها بيبقى هادي لدرجة إن الكل يتعود عليه... ولما تغيب، ساعتها بس تعرف قيمتها.
الكلمات علقت في ذهن زياد.
رجع مكتبه ببطء.
دخل، وقعد على كرسيه.
كل حاجة كانت في مكانها المعتاد.
الأقلام مرتبة.
المواعيد مكتوبة بخط أمينة.
ملفات الأسبوع متقسمة بألوان مختلفة.
حتى كوب القهوة اللي كان بيشرب فيه كل صباح، لقى تحته ورقة صغيرة.
استغرب.
رفع الكوب.
كانت الورقة مكتوب فيها بخطها
تذكير اجتماع الموردين
الثلاثاء الساعة 11. لا تنس مراجعة بند الضمان قبل أي توقيع.
زياد فضل يبص للورقة طويلًا.
رغم اللي حصل...
كانت لسه بتفكر في شغله قبل أي حاجة.
فتح أول درج في المكتب يدور على ملف قديم.
لكن بدل الملف، لفت نظره دفتر صغير أزرق.
عرفه فورًا.
دفتر الملاحظات اللي كانت أمينة بتكتبه فيه كل يوم.
مد إيده يفتحه...
ثم توقف.
تردد.
هل من حقه يقرأه؟
وفي اللحظة دي، دخل عامل الأرشيف وقال
أستاذ زياد... الآنسة أمينة كانت سايبة الظرف ده لحضرتك لو اضطرت تمشي قبل ما تقابلك.
ناولَه ظرفًا أبيض مغلقًا.
على الظرف كانت مكتوبة ثلاث كلمات فقط بخطها الواضح
يُفتح عند الضرورة.
زياد قلب الظرف بين إيديه، وقلبه بدأ يدق أسرع.
كان يشعر أن ما بداخله لن يكون مجرد رسالة... بل شيء قد يغيّر نظرته لكل ما حدث خلال السنتين والنصف الماضيتين زياد فضل ماسك الظرف دقيقة كاملة.
كل مرة يمد إيده يفتحه...
يرجع يتردد.
وفي الآخر أخد نفسًا عميقًا، وفض الختم.
كان جواه ورقة واحدة.
مش رسالة طويلة...
مجرد صفحة مكتوبة بخط أمينة.
لو حضرتك بتقرأ الرسالة دي، يبقى غالبًا اضطريت أمشي فجأة.
كل ملفات الأسبوع موجودة في الملف الأخضر، والعقد الجديد راجعته مرتين.
فيه ثلاث شيكات لازم تتوقع النهارده قبل الساعة أربعة.
وملف الأستاذ سامح ناقصه ورقة التأمين، بعت يجيبها.
وآسفة لو غيابي سبب أي ارتباك.
زياد قلب الورقة.
يمكن يكون فيه كلام تاني.
مفيش.
ولا كلمة عتاب.
ولا كلمة لوم.
ولا حتى إشارة للكلام اللي سمعته منه.
تنهد وهو يتمتم
حتى الرسالة... كلها شغل.
في نفس اللحظة، دخل عم حسين، فراش الشركة، وهو شايل صينية شاي.
أول ما شاف الظرف مفتوح، ابتسم.
شكلها كانت متوقعة إنها تمشي.
زياد رفع رأسه بسرعة.
تقصد إيه؟
عم حسين حط الصينية وقال
الآنسة أمينة كانت بترتب كل حاجة من أسبوعين.
أسبوعين؟
آه... كانت كل يوم تراجع الملفات، وتكتب ملاحظات للي هيستلم مكانها.
زياد اتفاجأ.
هي كانت مقررة تستقيل من قبل الاجتماع؟
أيوه يا باشا.
سكت لحظة، ثم قال بحزن
بس
كل ما أقولها ليه؟ كانت تبتسم وتقول فيه أماكن مهما تعبت فيها... عمرها ما هتحسسك إنك منها.
الجملة ضربت زياد في قلبه.
افتكر ضحكته.
وافتكر كل كلمة قالها عنها.
أمينة دي راجل.
صفر أنوثة.
صاحبي.
قفل عينيه للحظة.
ولأول مرة...
حس إنه هو اللي كان أعمى.
في المستشفى...
أمينة كانت قاعدة قدام غرفة الطوارئ.
لابسة نفس الفستان الأسود، لكن ملامحها رجعت هادية ومتعبة.
الدكتور خرج وهو بيقول
الحمد لله... الحالة مستقرة.
تنفست براحة.
أقدر أشوفها؟
دقيقة واحدة.
دخلت الأوضة.
خالتها أول ما شافتها ابتسمت رغم التعب.
شفتي؟... قلتلك البسي الفستان ده.
ضحكت أمينة وهي تمسك إيدها.
هو ده وقته؟
قالت خالتها بصوت ضعيف
أنا ربيتك من بعد أبوكي وأمك... وعارفة إنك خبّيتي نفسك سنين.
أمينة نزلت عينيها.
أنا كنت مرتاحة كده.
لا... إنتِ كنتِ مستخبية.
وسكتت لحظة قبل أن تضيف
قوليلي... لما روحتي الشغل النهارده... حد أخيرًا شاف أمينة؟
ابتسمت أمينة ابتسامة حزينة.
ثم قالت بهدوء
مش عارفة... يمكن شاف شكلي لأول مرة.
وفي نفس اللحظة...
رن هاتفها.
بصت للشاشة.
المتصل كان...
زياد.
ظل الهاتف يرن...
وهي تنظر إليه دون أن تمد يدها للرد أمينة فضلت باصة لشاشة الموبايل.
رنّة...
اتنين...
تلاتة...
لحد ما المكالمة اتقفلت.
حطت الموبايل جنبها، ورجعت تبص لخالتها.
خالتها ابتسمت ابتسامة خفيفة.
ليه مردتيش؟
أمينة أخدت نفسًا طويلًا.
لأن أول مرة يكلمني خارج الشغل.
وإيه يعني؟
خايفة يكون بيكلمني عشان الشركة... مش عشاني.
خالتها ما علقتش.
كانت عارفة إن الجملة دي طالعة من وجع سنين.
في الشركة...
زياد نزل الموبايل من على ودنه وهو متضايق.
أول مرة أمينة متردش عليه.
فتح الواتساب.
كتب
اطمني بس... خالتك عاملة إيه؟
قرأ الرسالة أكتر من مرة.
وبعدين مسحها.
كتب تاني
محتاج أتكلم معاكي.
ومسحها هي كمان.
وفي الآخر بعت رسالة قصيرة جدًا
إن شاء الله خالتك تقوم بالسلامة.
قفل الموبايل.
لأول مرة في حياته...
ما يعرفش يقول إيه.
تاني يوم الصبح...
الشركة
كانت ماشية، لكن بإيقاع غريب.
كل خمس دقايق موظف يدخل مكتب زياد يسأله
أستاذة أمينة مجتش؟
أمينة في إجازة؟
مين هيبعت الإيميلات؟
واحدة من موظفات الحسابات دخلت وهي ماسكة ملف.
أستاذ زياد... حضرتك تعرف أمينة كانت حاطة ملف الضرائب فين؟
زياد فتح الدرج.
مش
 

تم نسخ الرابط