بعد ماسمعت من صاحب الشركة

لمحة نيوز


لاقيه.
بعدها بدقيقة...
المخزن اتصل.
أستاذ... أمينة كانت الوحيدة اللي عارفة كود المخزن الجديد.
وبعدها الاتصالات.
ثم خدمة العملاء.
ثم النقل.
كل قسم كان بيعتمد على أمينة في حاجة.
زياد بدأ يكتشف إن الشركة كلها كانت واقفة على كتف واحدة.
وفي عز الزحمة...
دخل عليه والده.
كان راجع من السفر.
أول ما دخل، بص حواليه وقال باستغراب
فين أمينة؟
زياد سكت.
في المستشفى مع خالتها.
والده هز رأسه.
ربنا يشفيها.
ثم بص لابنه.
إنت زعلتها؟
زياد اتصدم.
حضرتك عرفت منين؟
الأب ابتسم ابتسامة هادئة.
لأنها من خمس سنين عمرها ما غابت يومين ورا بعض.
ولأنها أول مرة تسلم عليا امبارح في التليفون وتقول يمكن دي آخر مرة أشتغل في الشركة.
زياد حس بانقباض في قلبه.
هي قالت كده؟
آه.
سكت الأب لحظة.
ثم فتح درج المكتب بنفسه.
طلع ملف قديم.
وحطه قدام زياد.
عارف ده إيه؟
زياد هز رأسه بالنفي.
قال الأب
ده أول ملف قدمته أمينة لما جات تشتغل.
فتح الملف.
كان فيه شهادة تخرج بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف.
وشهادات تدريب.
ودبلومات مهنية.
ورسائل شكر من شركات كبيرة.
زياد رفع رأسه بذهول.


كل ده... وهي اشتغلت سكرتيرة؟
الأب ابتسم.
هي ماقدمتش على سكرتارية.
زياد اتجمد.
إيه؟
هي قدمت على وظيفة مدير تطوير.
طيب... ليه...
قاطعه والده بهدوء
لأني أنا اللي رفضت أوظفها في المنصب.
زياد اتسعت عينه.
رفضتها؟!
رفضت أحط بنت صغيرة مسؤولة عن مديرين أكبر منها بعشرين سنة... فقولتلها تبدأ من تحت.
ابتسم وهو يكمل
كنت متأكد إنها هتوصل لوحدها.
ثم اختفت الابتسامة من وجهه.
لكن كنت متوقع إن ابني هو أول واحد يكتشف قيمتها... مش آخر واحد.
زياد نزل رأسه في صمت.
وقبل أن ينطق بحرف...
رن هاتف والده.
رد بسرعة.
وفجأة تغيرت ملامحه.
رفع عينه ناحية زياد وقال بجدية
دي شركة النور الطبية...
سكت وهو بيسمع.
ثم قال
إزاي؟... النهارده؟
أنهى المكالمة ببطء...
والتفت إلى زياد قائلاً
أمينة وافقت على العرض... وهتوقّع العقد النهارده الساعة خمسة مساءً.زياد ما استناش يسمع كلمة تانية.
خطف مفاتيح عربيته ونزل يجري.
أبوه ناداه
رايح تعمل إيه؟
وقف لحظة، ورد بصوت هادي لأول مرة من يومين
مش رايح أمنعها... رايح أعتذر.
الساعة كانت الرابعة وخمسين دقيقة.
وصل مقر شركة النور
الطبية.
الاستقبال طلب منه ينتظر.
بعد دقائق، خرجت أمينة.
كانت لابسة نفس الهدوء اللي اتعودت عليه، لكن المرة دي كان فيه راحة غريبة على وشها.
ابتسمت باحترام.
خير يا أستاذ زياد؟
بصلها مباشرة وقال
جيت أقولك حاجة كان المفروض أقولها من زمان.
سكت ثانية، ثم أكمل
أنا ظلمتك.
أمينة ما ردتش.
قال وهو بيكمل
أنا كنت فاكر إني بعرف أقيم الناس، لكن اكتشفت إني كنت شايف اللي قدامي بعيني... مش بعقلي.
تنهد.
الكلام اللي سمعتيه... أنا ندمان عليه.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
أنا عارفة.
استغرب.
عرفتي؟
لأن الإنسان الندمان... بيبان في تصرفاته قبل كلامه.
مد لها ظرفًا صغيرًا.
دي استقالتك... كنت هقطعها لو طلبتي ترجعي.
أمينة هزت رأسها برفق.
لا.
سكت.
أنا مش هرجع.
نزل زياد عينه للحظة، ثم رفعها وهو مبتسم ابتسامة فيها رضا رغم الحزن.
بصراحة... كنت متوقع.
قالت بهدوء
المكان اللي اتعلمت فيه هيفضل له فضل عليّ... لكن الإنسان لازم يروح للمكان اللي يقدّر تعبه.
مد إيده يصافحها.
أتمنى تسامحيني.
صافحته.
سامحتك... من أول يوم فهمت إن المشكلة ما كانتش في شكلي... المشكلة إنك
ما كنتش شايفني.
ابتسم بأسى.
ودلوقتي؟
قالت وهي تترك يده
دلوقتي بقيت تشوف... لكن بعد ما قررت أمشي.
في اللحظة دي خرج أستاذ حسام، ورحب بأمينة.
المجلس مستني حضرتك.
التفتت إليه، ثم رجعت تبص لزياد.
مع السلامة يا أستاذ زياد.
رد بهدوء
بالتوفيق... يا أستاذة أمينة.
دخلت المبنى بخطوات ثابتة، من غير ما تبص وراها.
وزياد فضل واقف يتابعها لحد ما اختفت.
بعد ستة أشهر...
شركة زياد كانت لسه ناجحة، لكنها احتاجت وقت طويل تعوض الفراغ اللي سابته أمينة.
أما أمينة...
فبقت مديرة تطوير العمليات في شركة النور الطبية، وقدرت خلال شهور قليلة تحقق نجاحات كبيرة، وبقى اسمها يتردد في المجال كله.
وفي أحد المؤتمرات، وقف المذيع يعلن عن تكريم أفضل شخصية إدارية شابة.
ولما نادى اسمها...
وقف الجميع يصفق.
وكان من بين الحضور زياد.
صفق لها بابتسامة صادقة، وهو يشعر بالفخر... لا لأنها كانت تعمل معه يومًا، بل لأنها وصلت للمكان الذي تستحقه بجدارتها.
بعد انتهاء الحفل، مر بجوارها وقال
مبروك... تستحقي كل خير.
ابتسمت وقالت
شكرًا.
ثم أكمل كل واحد طريقه.
هي نحو مستقبل صنعته
بنفسها...
وهو يحمل درسًا لن ينساه أبدًا
قد تخدعنا المظاهر، لكن الاحترام الحقيقي يبدأ عندما نرى قيمة الإنسان قبل أن نحكم على شكله.

 

تم نسخ الرابط