كـابوس في بيـت بقلم منـال علي

لمحة نيوز


بيه غيرها.
ومع حركة الإسعاف السريعة وصوت السرينة اللي بيشق شوارع المدينة وهي بتاخد عيلتي للمستشفى، فهمت إن الرحلة دي مش مجرد مشوار للمستشفى.. دي رحلة هتغير حياتنا كلنا.. وللأبد.
لما أبواب الإسعاف اتقفلت، حسيت كأن دنيتي كلها وكل اللي عشته فضلت واقفة بره في الشارع..
كنت ماسك إيد ابني حمزة الصغيرة والطاقم الطبي شغال حواليه من غير ما يهدى ثانية واحدة. ياسمين كانت نايمة على النقالة جنبه، بتتنفس بصعوبة شديدة.. ورغم الحالة الصعبة اللي كانت فيها، أول حاجة عملتها لما فتحت عينها إنها حاولت تدور على ابننا بنظراتها المكسورة. بقلم منال علي 
الدكتورة قربت مني وقالت بصوت هادي
ابنك هيتلقى الرعاية فوراً، ومراتك كمان.. دلوقتي أنا محتاجة منك تجاوبني على كام سؤال عشان نقدر نساعدهم صح.
حكيتلها كل حاجة.. السفرية اللي سافرتها، المكالمات اللي دارت بيننا، رجا ياسمين وعياطها عشان أرجع البيت، ردود أمي الباردة والمطمنة كدب، الأدوية اللي اختفت فجأة، وتليفونها اللي استخبى.. ما حاولتش أجمل صورة حد، ولأول مرة في حياتي، وقفت أقول الحقيقة كاملة ومن غير ما أداري على غلط أي مخلوق بقلم منال علي 
بعد فترة قصيرة من وصولنا، دخل ضابط شرطة بالراحة للغرفة المخصصة لينا في المستشفى.. اتكلم الأول مع الدكتورة، وبعدين جه اتكلم معايا.. شرحتله كل اللي حصل، وقال إنه هيسجل أقوالي وهيبدأوا تحقيق رسمي من جهات الاختصاص.. اتكلم معايا باحترام كبير ومن غير اتهامات متسرعة أو

أحكام مسبقة.. وفي اللحظة دي، ما كنش في عقلي وقلبي غير ياسمين وحمزة وبس.
الساعات اللي بعد كدا مرت كأنها سنين طويلة ومابتخلصش.. ولما خرجت دكتورة الأطفال أخيراً من غرفة الملاحظة، قلبي كان هيقف من الخوف.. بس هي ابتسمت بهدوء مطمن وقالت
ابنك استجاب للعلاج وبقى أحسن بكتير.. لسه هيفضل تحت الملاحظة شوية بس رد فعله ممتاز ومطمن جداً.
غمضت عيني.. ولأول مرة من ساعة ما دخلت شقتي وشوفت المنظر داك، قدرت أخد نفس طويل وعميق من جوه قلبي.. بعدها سمحوا لي أدخل أشوف ياسمين.. كانت لسه ضعيفة وتعبانة جداً والمحاليل في إيدها، بس بقت قادرة تتكلم.. قعدت جنب السرير، ومسكت إيدها بحنين وخوف كبير
سامحيني يا ياسمين..بقلم منال علي 
الدموع نزلت وغرقت وشي وأنا بكمل كلامي
إنتي حاولتي تحذريني كتير.. أنا شوفت الخوف في عينيكي قبل ما أسافر، وسمعت رجاكي ليا وأنا على الطريق.. ورغم كدا.. صدقت كلام غيرك وجيت عليكي.
ياسمين ضغطت على صوابعي بضعف ظاهر وقالت
بس إنت رجعت يا مصطفى..
هزيت راسي بحزن وكسرة
رجعت متأخر أوي يا حبيبتي..
خدت نفس طويل وقالت
المهم إنك رجعت في الآخر.
الكلمات دي ما كانتش بتمحي العذاب اللي عاشته ولا اللي حصل، بس كانت بتفتح الباب لإننا نرجع نلم شتات حياتنا ونبنيها من جديد على نضافه.
في الأيام اللي بعد كدا، ما فارقتش سريرهم لحظة واحدة.. اتعلمت إزاي أغير الحفاضات للواد، أحضر الببرونات لما نحتاجها، وأصحى في نص الليل على همسته من غير ما حد يندهلي.. كل تفصيلة صغيرة
كنت بعملها كانت بتفكرني بمسؤوليتي الحقيقية اللي اخترتها بإرادتي يوم ما قررت أفتح بيت وأبني أسرة بقلم منال علي 
أمي حاولت تكلمني كتير جداً.. بعتت رسايل على الواتساب وكلمتني مكالمات ياما.. ما ردتش عليها علطول.. كان لازم الأول أهتم باللي محتاجيني بجد وبيعتمدوا عليا في كل نفس.. بعد كام أسبوع، وافقت أقابلها في مكان هادي بره البيت.
كانت باينة مكسورة، وتعبانة، وشكلها اتغير كتير.. مختلفة تماماً عن الست القوية الجبارة اللي دايماً شايفة نفسها صح في كل حاجة والكل غلط.. قعدت قدامي ومش قادرة تحط عينها في عيني، وقالت بصوت واطي
أنا كان قصدي أساعدكم..
خدت نفسي بالراحة وقولت بكل هدوء بس بحسمبقلم منال علي 
المساعدة عمرها ما تكون بإنك تحرمي حد من حقه في إنه يقرر مصير صحته وعلاجه وعياله يا أمي..
فضلت ساكتة وباصة في الأرض.. كملت كلامي
إنتي يمكن ما كنتيش واخدة بالك من مصيبة وجرم اللي عملتيه.. بس تصرفاتك دي كان ليها عواقب سودة.. وعواقب كانت ممكن تدفعنا تمنها غالي أوي وتخسرنا حياتهم.. لولا ستر ربنا ولطفه.
بدأت تعيط بدموع حقيقية.. ولأول مرة في حياتي كلها، ما لقتش جوايا أي كلمة أو حركة أواسيها بيها.. فيه أوقات في الدنيا لازم الندم يمشي فيه جنب المسؤولية.. والإنسان يدوق تمن غلطته عشان يتعلم بقلم منال علي 
الوقت عدى.. وياسمين رجعتلها صحتها وعافيتها وضحكتها واحدة واحدة.. وابننا حمزة كان بيكبر وصحته بقت ممتازة، ونور الشقة من جديد.. غيرنا حاجات
كتير في نظام حياتنا ويومياتنا.. اتعلمت إن حماية عيلتي بتبدأ من إني أسمعهم هما الأول بقلبي وعقلي قبل ما أسمع أي حد تاني بره.. اتعلمت إن الحب مش إنك تنحاز لطرف على حساب طرف.. الحب هو إنك تشيل المسؤولية بجد وتحمي بيتك.
في صباح يوم حد مشمس، لقيت ياسمين قاعدة في البلكونة وبتهز حمزة في حضنها وبتغنيله بصوت واطي.. شمس الصبح كانت معدية من بين الشجر ومنورة وشهم.. قعدت جنبها وسألتها
بتفكري في إيه يا حبيبتي؟
ابتسمت وقالتبقلم منال علي 
بفكر في إننا عدينا أصعب أيام حياتنا.. ونجينا بفضل الله.
بصيت لحمزة وهو نايم في أمان تام، وبعدين بصلتها وقلت
وأنا بوعدك..
عمري ما هسيبك تواجهي أي لحظة صعبة في حياتك تانية لوحدك.. طالما فيا نفس.
مسكت إيدي بحرارة، وما كنش فيه داعي لأي كلام تاني يتقال.. السكوت وقتها كان مليان أمان بقلم منال علي 
أحياناً، الغفران مش بيجي بخطبة طويلة وكلام منمق.. الغفران بيولد ويكبر من الأفعال الصغيرة البسيطة والوعود الصادقة اللي بنكررها وبنثبتها كل يوم.. وأنا ببص لابني وهو نايم في سلام، فهمت إن الأسرة مش بتقوى بالسيطرة والتحكم وفرض الرأي في حياة بعض.. الأسرة بتقوى بالاحترام، بالثقة المتبادلة، وبالشجاعة لإننا نحمي أكتر ناس ضعاف ومحتاجين لينا في الدنيا.
وإنتوا؟ لو كنتوا مكان مصطفى، هل كنتوا هتاخدوا بالكم من الإشارات دي وتتحركوا بدري؟ تفتكروا بعد تجربة صعبة زي دي، الثقة ممكن ترجع تتبني وتتصلح مع الأهل، ولا فيه قرارات وتصرفات
بتغير شكل العيلة ومكانة الناس للأبد؟

 

تم نسخ الرابط