بنتى رجعت من عندحماتى
قالت بصوت خافت
طنط، يمكن نرجع تاني؟ شكله مش وقته ولا مكانه.
حماتي ردت عليها بحدة
لا يا بنتي، ما فيش رجوع، الموضوع خلاص تم، والعربون مدفوع، والفرح محجوز، وكل حاجة جاهزة.
ساعتها أنا وقفت قدامها وقلت لها بكل هدوء وثبات
طنط، اتفضلي اجلسي، لأنك لازم تسمعي كلامي كويس، وتفهميه، لأنك طول عمرك بتتعاملي معايا كأني ماليش كلمة ولا رأي، وبتعاملي ابنك كأنه لسه صغير في سنينه الأولى، وبتعاملي الحياة دي كلها لعبة في إيدك.
جلست حماتي على الكنبة وهي لسه بتشوفني بنظرة استعلاء، وقالت
قولي اللي عايزاه، أنا عندي حججي واضحة.
قلت لها
أولًا يا طنط، أنا من يوم ما دخلت بيتكم وأنا بحترمك وأعاملك كأمي، ما قصرت معاكِ في حاجة، كنت أخدمك وأقضيلك حوائجك وأجيلك كل يوم، وكنت بصبر على كلامك اللي بيجرح وقلت يمكن هي بتغير عليا وبعدين هترتاح. وثانيًا، ابنك ده راجل كبير، له بيت وحياة ومسؤولية، ومش من حقك تفرض عليه رأيك ولا تختار له حياته، ولا تحاول تفرق بينه وبين مراته وبنته. وثالثًا، البنت دي اللي جايباها معاكِ، ذنبها إيه تدخل في مشاكلنا؟ ذنبها إيه تكون أداة في إيدك تحققي بيها أهدافك؟
بصيت لسلمى وقلت لها
وأنتِ يا بنتي، أنا مش بلومك، لأنك يمكن ما تعرفيش كل حاجة، بس اقولك كلمة واحدة الحياة اللي بتبدأ بغصب وغلط ومشاكل، مش بتكمل، وغالبًا بتكسر كل اللي فيها. ما تربطيش مستقبلك ببيت مهدد من أوله، وبراجل لسه مش عارف ياخد قرار، وبعائلة بتدخل في كل صغيرة وكبيرة.
سلمى نزلت دموعها وقالت
والله يا ست الكل ما كنتش أعرف إن الموضوع كده، طنط كانت تقول لي إن ابنه
حماتي صرخت وقالت
وإيه يعني لو فيه بنت؟ وهي تكفيه لوحدها؟ هو محتاج ولد عشان يحمل اسمه، وانتِ ما جبتلهاش غير بنت واحدة!
ساعتها ضحكت بصوت عالي، وقلت لها
يا سلام! يعني كل الجرم اللي عملتيه ده عشان الولد؟ عشان تحملي اسمه؟ وأنتِ نسيتي إن الولد والبنت كلهم عطايا من ربنا، وإن الاسم والمال مش بيفيدوا في يوم من الأيام إلا بالخير والتربية الصالحة؟ وأنتِ نسيتي إنك كنتِ بنت قبل ما تكوني أم؟ ولا ده كان زمان والدنيا اتغيرت؟
كملت كلامي وقلبى بيوجعني
وعشان تعرفي يا طنط، أنا ما منعش إن محمد يتجوز لو كان عايز، بس الشرط الوحيد إن الموضوع يكون عدل، وإن يكون اتكلمنا فيه مع بعض، وإن يكون فيه سبب حقيقي مش خيال وأحقاد، وإن ما يكونش على حساب قلب بنتي وكرامتي. لكن الطريقة اللي عملتيها دي، والكلام اللي قلتوه، والسرية دي كلها، بتثبت إن الموضوع مش في جواز، الموضوع في إنك عايزة تسيطر، وعايزة تفرض رأيك، وعايزة تمسح وجودي من حياة ابنك عشان تفضلي أني الملكة في المكان.
محمد اتكلم أخيرًا بصرامة، وقال لأمه
ماما، كفاية كده، من النهاردة أنا راجل كبير، وقراري هو اللي يمشي، وكل اللي عملتيه ده من غير ما تعرفيني غلط، وغلط كبير كمان. أنا بحب منى، وهي أم بنتي، واللي بينا مش هينتهي بسهولة، ومش عايز واحدة تانية، ولا عايز سلمى ولا غيرها. العربون اللي دفعتيه ارجعيه، والقاعة ألغيها، وارجعي للبيت، وخلينا
حماتي بصتله بصدمة وقالت
إيه يا محمد؟ أنت بتقول كده؟ كل ده عملته عشانك وعشان مستقبلك وتقولي لي كفاية؟
قالها بثبات
أيوه يا ماما، كفاية، لأنك خسرتيني راحتي، وكادت تخسري لي بيتي وبنتي، واللي بيجي بالغصب ما بيكملش. وأنا آسف يا سلمى، آسف إنك تعبتي نفسك وجيتي معاها، والله ما كان قصدي أضرك، وكل المصاريف اللي دفعتها لكِ أو لعائلتك هتعوضها لكِ، وأنا آسف مرة تانية.
سلمى مسحت دموعها وقالت
شكرًا يا محمد، شكرًا لأنك صارحتني، وأنا آسفة إن كنت سبب في مشاكلكم، وأنا هروح وأقول لأهلي كل حاجة، وإن شاء الله ربنا يصلح حالكم.
سلمى مشيت، والخاله كان واقف بيشوف الموقف وبيهز راسه، وقال
الحق معاك يا بنتي، والحق معاك يا محمد، الست دي كانت بتلعب في الخيط ومش عارفة إن الخيط هينقط في يوم من الأيام. أنا هروح وأقول لأهل سلمى الحقيقة، وأرجع لكم العربون، وإن شاء الله ما يتكررش كده تاني.
بعد ما مشوا الخاله وسلمى، فضلنا أنا ومحمد وبنتي وحيدين، والدنيا كانت هادئة لكن أثر الكلام لسه باقي. محمد قرب مني وحاول يمسك إيدي، وقال
آسف يا منى، آسف على كل حاجة، آسف إنني كنت ضعيف ومش قادر أواجه، آسف إنني خليتك تشعري بالخوف والقلق، وآسف إنني خليت بنتي تشعر إنها هتفقد أمها. والله ما كنت أتمنى إن ده يحصل، ومن النهاردة هتكوني عارفة إنك أنتِ وبنتي أهم حاجة في حياتي، ولا حد مهما كان قريب مني هيتدخل بيننا تاني.
بصيت له وقلت له
الندم مش كفاية يا محمد، اللي يهم الأفعال، لازم تثبت لي إنك تغيرت، لازم توقف أي حد يحاول يتدخل بيننا، ولازم
قال لي
أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان ترجعي الثقة، مستعد أتكلم مع أمي وأوضح لها كل حاجة، ومستعد أغير كل العادات القديمة اللي كانت بتخليها تتدخل بيننا، ومش هسمح لها تيجي هنا وتقول كلام يخوف البنت ولا يزعجك.
بنتي قربت منه شوية، وقالت
بجد يا بابا؟ مش هتجيب لنا ماما تانية؟
مسكها محمد في حضنه وقبلها وقال
أبدًا يا روح بابا، مامتك هي الوحيدة اللي بحبها، وهي اللي كنت وسأظل معاها طول عمري، ولا تانية ولا حاجة، إنتِ ومامتك كل حاجة عندي.
بنتي ضحكت، وحضنتني أنا ومحمد مع بعض، وساعتها حسيت إن الألم بدأ يخف شوية، وإن الأمل بدأ يدخل قلبي من جديد، لكن كنت عارفة إن الطريق لسه طويل، وإن التحديات لسه كتير قدامنا.
الجزء الثاني الجروح بتحتاج وقت عشان تندمل
من اليوم ده، حاول محمد يغير من نفسه كتير، كان بيصحى بدري يعمل الفطار لينا، وكان بيرجع من الشغل بدري عشان يقعد معانا ويلعب مع بنتها، وكان كل يوم بيكلمني ويقولي لي اللي حصل في شغله واللي في باله، وبياخد رأيي في كل حاجة صغيرة وكبيرة. وكنت أنا بحاول أتجاوز وأصبر، وكنت بشوف التغير اللي بيجري عليه، بس في قلبي كان لسه شوية خوف، خوف إن ده يكون مجرد فترة ويرجع زي ما كان، وخوف إن حماتي تحاول تعمل حاجة تانية من ورانا.
وفعلا، حماتي ما سكتتش، كانت بتتصل بينا كل فترة وتقول كلام من تحت لتحت، مرة تقول له إنت خسرت نفسك عشانها، ومرة تقول الراجل لازم يكون له كلمة وسيطرة،