بنتى رجعت من عندحماتى
تربي البنت. لكن محمد كان كل مرة بيقول لها بكل هدوء وثبات
ماما، كفاية كلام في الموضوع ده، منى مراتي وأم بنتي، وأنا بحبها ومش عايز غيرها، وكل كلامك فيها غلط، فما تكلمنيش فيها بسوء تاني، ولا تحاولي تفرقي بيننا، لأن ده مش هينفعك ولا هينفعني.
في يوم من الأيام، جات حماتي تزورنا من غير ما تكلمنا، ولما دخلت لقتنا بنعمل واجبات بنتي مع بعض، ومحمد كان بيساعدها في الحساب، وكنت أنا بصحح لها الكتابة. قعدت من غير سلام، وقالت بصوت عالي
إيه يا سيدي، بقيتي أنتِ اللي بتتحكمي فيه؟ هو كان بيعرف يعمل واجبات بنته من غيرك؟
محمد وقف وقال لها
ماما، ادخلي غيري ملابسك وارتاحي، وبعدين نتكلم. أنا مش بتحكم فيا حد، ولا أنا اللي بيتحكم في حد، كلنا بنساعد بعض عشان نكبر البنت ونعلمها صح.
قالت وهي بتشوفني بنظرة غضب
وأنتِ يا ست الكل، شكلك سحرتيه ولا حاجة، هو كان قبل كده كلامي هو اللي يمشي، والآن ما بيسمعش لي كلمة.
قلت لها وأنا بحاول أكون هادئة
طنط، أنا ما سحرت حد، ولا أقدر أغير قلب حد، ده اختيار محمد، وهو عايز يعيش حياة سعيدة ومستقرة، والاستقرار بييجي لما نحترم بعض ونحترم خصوصية البيت.
ساعتها قامت حماتي ومسكت كتاب البنت ورمتها على الأرض وقالت
وأنا مش عايزة الاستقرار ده، أنا عايزة ابني يرجع زي ما كان، يسمع كلامي ويعمل اللي أنا عايزاه!
بنتي خافت وعيطت، ومحمد بسرعة رفع الكتاب ومسح على راسها وقال لها
اهدي يا حبيبتي، تيتة تعبانة شوية، ومش تقصد حاجة.
وبعدين بص لأمه وقال لها بصرامة
ماما، لو عايزة تزورنا وتقعد معانا بالحب والاحترام، أهلا وسهلا، ولو عايزة تيجي وتزعجنا وتخوف البنت، فأرجوكي تروحي، لأن ده بيتي وأنا حر فيه، ومش هسمح لأحد يزعج عائلتي.
حماتي بصتله بصدمة، وما كانتش متوقعة منه الكلام ده، لأنها طول عمرها ماشية عليه كلامها، ولأول مرة بيقول
أنا ربيتك وتعبت عليك، وجيت من عرق جبيني عشان تكبر، وتقولي لي كلام ده؟
قالها وهو عينيه بتدمع
وأنا شاكر لكِ كل تعبك، وكل حاجة عملتيها ليا، وده سبب إنني بحترمك وبحبك، لكن الحب والاحترام مش معناه إنك تمسحي شخصيتي وتدمري بيتي. أنا كبرت وبقيت مسؤول عن نفسي وعن عائلتي، ولازم تفهمي ده وتتقبليه.
حماتي سكتت شوية، وبعدها قعدت على الكنبة وبدأت تعيط بصوت هادئ، وقالت
والله ما كنتش عايزة أضرك يا محمد، كنت خايفة عليك، كنت فاكر إنك هتكون أسعد مع واحدة تانية، وإن دي مش قد المسؤولية، وإنها هتاخدك مني. كنت أنانية، فكرت في نفسي بس، ونسيت إنك كبرت ولازم تعيش حياتك الخاصة.
ساعتها قربت منها أنا، وجلست جنبها، ومسحت دموعها وقالت لها
طنط، أنا بحبك كأمي، ومش عايزة أاخد ابنك منك، بالعكس، أنا عايزة نكون كلنا مع بعض، نزورك وتيجي لينا، ونشوفك كل يوم، بس بشرط إننا نحترم بعض، وما ندخلش في خصوصيات بعض، ونخلي محمد يكون في وسطنا، ما نضغطش عليه من الجهتين. أنا مش عدوتك، أنا مرات ابنك، وأم بنته، وكلنا هدف واحد هو سعادة محمد وسعادة البنت.
حماتي بصتلي، ولأول مرة بشوف في عينيها نظرة غير الحقد والغضب، شفت فيها نظرة أم خافت على ابنها وغلطت في الطريقة، قالت
آسفة يا منى، آسفة إنني كنت قاسية معاكِ، وآسفة إنني حاولت أفرق بينك وبين محمد، وآسفة إنني كلمت البنت كلام يخوفها. سامحيني يا بنتي، أنا كنت غلطانة.
قلت لها وأنا بحضنها
مسامحة يا طنط، ربنا يسامحنا كلنا، المهم إننا نرجع لبعض ونكون عائلة واحدة متحدة.
من اليوم ده، تغيرت معاملة حماتي كتير، كانت بتيجي تزورنا وتجيب معاها حلويات بنتي، وكانت بتساعدني في شغل البيت لما أكون تعبانة، وكانت بتكلمني بكل احترام ولطف، وحتى كانت بتقول لي نصايح مفيدة ومش نصايح تفرق بيننا. محمد كان فرحان
شفتي يا منى، كلامك الطيب وقلبك الكبير هو اللي غيرها، ولا حد كان يقدر يعمل كده غيرك.
قلت له
ده مش بذكائي ولا حاجة، ده لأننا كنا صادقين مع بعض، ولما القلوب بتتقابل بالحب والاحترام، بتنسى الأحقاد والخلافات.
الجزء الثالث السعادة بتكمل لما الكل بيتعلم
عدت شهور، وبدأت الحياة ترجع لمجراها الطبيعي، بل وأحسن من ما كانت، كنا بنخرج كل جمعة نتمشى في الحدائق أو نروح نزور حماتي، وكانت بنتنا بتفرح جدًا لما تروح عند تيتها، وتلعب معاها وتحكي لها كل حاجة بتحصل في المدرسة. حماتي كانت بتعلمها حاجات كتير، بتعلمها الطبخ البسيط، بتعلمها كيف تزرع الزهور، وبتحكي لها قصص زمان، وكنت بشوف السعادة اللي بتملأ عيونهم لما يكونوا مع بعض، وكنت بشكر ربنا على كل حال.
في يوم من الأيام، جالنا الخاله، ومعاه أهل سلمى، وقالوا لنا إنهم تقبلوا الاعتذار، وإنهم عرفوا الحقيقة، وإن سلمى اتخطبت لشاب تاني، وإنها سعيدة جدًا، وجابوا لنا كلام طيب وتبريكات، وقالوا لنا إنهم فرحانين إن مشاكلنا اتحلت وعائلتنا اتصلحت. ساعتها شكرتهم، ودعيت لهم بالخير والسعادة، وقلت لهم إن الحب والتفاهم هو اللي بيجيب السكينة للقلوب.
بنتنا كانت كبرت شوية، وبدأت تتفهم الحياة أكتر، وفي يوم سألتني
يا ماما، ليه الناس بتتخانق؟ وليه تيتة كانت عايزة تغيرك زمان؟
قلت لها وأنا بمسك إيديها
يا حبيبة قلبي، الناس بتتخانق لما ما بيفهموش بعض، ولما بيفكروا إن اللي في بالهم هو الصح بس، وما بيشوفوش مشاعر غيرهم. وتيتة كانت خافت على بابا، وفكرت إن الطريقة دي هي الصح، لكنها اكتشفت إنها غلط، واعتذرت، وكلنا تصالحنا.
سألتني تانية
يعني لو حد غلط فينا، نسامحه؟
قلت لها
أيوه يا روحي، نسامحه، بس بشرط يكون نادم وبيحاول يغير من نفسه، لأن السماح بيخلي القلب نظيف، وما يفضلش فيه غل ولا
محمد كان بيسمع الكلام ده، وقرب منا وقبلنا الاتنين، وقال
أمك بتقولك صح يا بنتي، السماح والتفاهم والاحترام، دي أساس أي بيت سعيد، ودي اللي خلانا رجعنا لبعض وأقوى من الأول.
ومرت السنين، وبنتنا كبرت ودخلت المدرسة، وكانت متفوقة في دراستها، ومحمد كان ترقى في شغله ونجح كتير، وكل الفضل في نجاحه كان للاستقرار والهدوء اللي في البيت، وحماتي كانت تعيش معانا أحلى أيام، وكل ما تشوف بنتها بتقول لي
شكرًا يا منى، شكرًا لأنك صبرتي وتحملتي، وشكرًا لأنك حافظتي على ابني وبيته، أنتِ نعمة من ربنا جابها لنا.
وكنت أرد عليها بكل حب
ده كله بفضلك يا طنط، لأنك علمتي محمد الخير، ولأنك تقبلتي الحقيقة وعدلتي مسارك، كلنا تعلمنا من بعض، وكلنا كملنا بعض.
وفي يوم من الأيام، كنا قاعدين كلنا في الصالة، بنشوف صورنا القديمة، ولقينا صورة من أول يوم اتقابلنا فيه، ضحكنا كلنا، وقال محمد
لو رجع بي الزمان، كنت عملت كل حاجة زي ما عملتها، لأن كل اللي حصل هو اللي وصلنا لهنا، وجعلنا نقدر قيمة بعض أكتر.
قلت له وأنا ببص لعينيه
وأنا كمان، الحمد
لله على كل حال، على الحلو والمر، لأن كل ده كان سبب إننا نكون عائلة قوية ومترابطة، وما يفرقنا شيء أبدًا.
بنتنا قالت وهي بتضحك
وأنا كمان بحبكم كلكم، ولا عايزة أحد غيركم، ولا ماما تانية ولا بابا تاني، أنتم أحلى عائلة في الدنيا.
وحضنتنا كلنا بعض، وساد الهدوء والسكينة في البيت، وعرفت في اللحظة دي إن الحقيقة اللي كل واحد لازم يعرفها إن البيت مش بيتكلم بالطوب والخشب، بيتكلم بالحب والتفاهم والسماح، وإن أقوى العوائل هي اللي بتتعلم من أخطائها، وتصالح وتكمل الطريق بقلوب نظيفة ومليئة بالحب. وإن مهما كانت المشاكل كبيرة، ومهما كان الحقد عميق، فالقلب الطيب والكلمة الطيبة والصبر هم اللي يقدروا يغيروا كل شيء،