اكل جوزي كاملة حكايات زهرة
كان تجربة تعلمت فيها إن أغلى حاجة ممكن الواحد يضحي بيها هي نفسه عشان حد ما يستاهلش. كريم.. أنا مش محتاجة أقول حاجة تانية، الناس هنا شافت وسمعت، والورق اللي معاك دلوقتي هو اللي هيحدد بقية حياتك.
سيبت الميكروفون وكنت خلاص همشي، بس وقفت لحظة لما سمعت صوت كريم وراه بيزعق وبيحاول يمسك فيا. حسيت بإيد الأستاذ كمال بتسحبني لورا وبتقولي سيبيه، هو ما بقاش يملك أي حاجة دلوقتي، حتى البيت اللي قاعدين فيه ده بقى مرهون باسم نيروز هانم بحكم التوكيلات اللي هي سحبتها من شهرين.
ابتسمت ابتسامة خفيفة. أيوه، أنا كنت محضرة كل حاجة. من قبل ما الفرح ده يحصل بأسابيع، كنت عارفة إن كريم بيخطط لحاجة، وعارفة إنه بيستغلني. التوكيلات اللي كنت مدياله إياها للبيزنس، سحبتها بهدوء من غير ما يحس.
خرجت من القاعة، والجو بره كان مختلف. الهوا كان أنقى، والسما كانت أوسع. ركبت عربيتي، وبصيت للمراية. شفت نيروز اللي سابت كل حاجة وراها، بس رجعت لنفسها.
القاعة ورايا كانت بتشتعل بالخناقات، كريم بيحاول يبرر، حماتي بتلطم، ومي واقفة مصدومة. قولت في سري مش ده اللي كنتوا عايزينه؟ فرح يفضل في ذاكرة البلد كلها؟ أهي الذاكرة دي هتفضل محفورة باسم نيروز اللي ما حدش قدر يكسرها.
بدأت أدور العربية، وكنت عارفة إن اللي جاي مش هيكون سهل، بس على الأقل، أنا حرة. مشيت وأنا مش بتبص ورايا، كنت بس بتبص للطريق اللي قدامي، طريق جديد، من غير كريم، من غير دهب، ومن غير تضحيات مالهاش لازمة.
بس وأنا ماشية، تليفوني رن تاني رقم غريب. رديت، ولقيت صوت مألوف، صوت كان واحشني، صوت جدي اللي كان دايمًا بيقولي ما تخليش حد
نيروز؟ أنا عرفت اللي حصل.. إنتِ فين؟
رديت بصوت ثابت
أنا في طريق الحرية يا جدي طريق كنت لازم أمشي فيه من زمان.
قفلنا، وأنا حسيت إن كل هموم الدنيا نزلت من على كتافي. كنت ماشية في الشوارع اللي كانت شاهدة على كل لحظة ضعف عشتها مع كريم، بس النهاردة، الشوارع دي كانت بتشهد على ولادتي من جديد.
عديت على بيتي القديم، البيت اللي كنت بجمع فيه القرش على القرش عشان بيتنا. نزلت من العربية، وطلعت الشقة. دخلت لقيت كل حاجة لسه في مكانها، بس الحيطان كانت بتنطق بذكريات وجع. بدأت ألم حاجتي الشخصية، حاجتي اللي فعلاً تخصني، بعيد عن أي حاجة اشتركنا فيها.
لقيت صندوق الذكريات اللي كان فيه صورنا، ووعودنا، والهدايا اللي جابها لي في أيامنا الأولى. خدته زي ما هو، ورميته في الزبالة من غير ما أفتح غطاه. مش محتاجة أفتكر، كفاية اللي أنا فيه دلوقتي.
وأنا بنزل، لقيت جيراني واقفين قدام العمارة، بيسألوني بفضول عن اللي حصل في الفرح، عن الفضيحة اللي وصلت لكل الناس في دقايق. ما رديتش عليهم، بس اكتفيت بابتسامة غامضة، ومشيت.
وصلت لمحطة القطر، كنت عايزة أبعد، عايزة مكان ما حدش يعرفني فيه. مكان أبدأ فيه من جديد، من غير قصص، ومن غير دراما، ومن غير حكايات نيروز.
في القطر، قعدت جنب الشباك، وبدأت أراقب البيوت وهي بتبعد، والمباني وهي بتصغر. حسيت براحة عمرها ما جتلي في سنين زواجي الخمسة. كريم دلوقتي في القاعة، بيواجه عواقب أفعاله، ومي بتدور على طريق للهرب، وحماتي بتواجه غضب الناس اللي كانت بتتباهى قدامهم.
أنا كنت برا كل ده، كنت في عالم تاني، عالم أنا اللي بكتب فصوله،
طلعت مفكرتي، وبدأت أكتب الصفحة الأولى من حكايتي الجديدة. كتبت الفصل الأول يوم التحرر. وكنت عارفة إن اللي جاي لسه فيه كتير، بس اللي متأكدة منه، إن نيروز القديمة ماتت في القاعة دي، واللي موجودة دلوقتي، هي واحدة تانية خالص، واحدة اتعلمت إن أغلى درس في الحياة هو إنك تحب نفسك أكتر ما تحب أي حد تاني.
القطر بدأ يتحرك، وأنا غمضت عيني، وحلمت بكرة، بكره بعيد عن الإهانات، وعن العيلة دي، وعن كل حاجة ربطتني بيهم. كان صوت عجل القطر على القضبان زي نبضات قلبي، نبضات قوية، واثقة، ومستعدة لكل اللي جاي.
وفجأة، لمحت خيال في المرايا، خيال واحدة وقفت قدامي، وقالتلي إنتِ شجاعة. ابتسمت لنفسي، وقلت مش بس شجاعة أنا حرة.
كريم ما كانش بس خايف من الفضيحة وسط الناس، كان مرعوب من الورق اللي في إيد الأستاذ كمال. الشكوك اللي كانت بتطاردني طول السنين اللي فاتت اتحولت ليقين في اللحظة اللي شوفت فيها نظرة الانكسار في عين حماتي وهي بتشوف الناس بتبدأ تلم شنطها وتمشي من الفرح اللي اتصرف عليه تحويشة عمري.
الهدوء اللي كان في القاعة اتحول لهرج ومرج.. أصوات زعيق، كراسي بتتحرك، وناس بتهمس بكلمات نصّاب ومستغل وهي بتبص لكريم. أنا وقفت في نص القاعة، مش عايزة أتحرك، عايزة أشبع من المشهد ده. كريم جه ناحيتي، وشه أحمر زي الجمرة، مسك إيدي جامد وقالي بصوت واطي ومخنوق
إنتِ عملتي إيه يا مجنونة؟ إنتِ دمرتي اسمي واسم العيلة في ليلة زي دي؟ إنتِ عارفة أنا ممكن أعمل فيكي إيه؟
بصيت لإيده اللي ماسكة إيدي، وشديتها منه ببرود وقوة أنا نفسي استغربتها
دمرت اسمك؟ لا يا كريم، أنا بس
حماتي جريت عليا وهي بتصيح، شعرها منكوش ووشها مليان غضب
يا كدابة! يا بنت ال إنتِ فاكرة إنك هتخرجي منها كده؟ دي فلوسنا، وده فرح ابني، وإنتِ مجرد ست ملهاش لزمة في البيت ده!
ضحكت، والضحكة دي كانت كفيلة تخليها تسكت للحظة، لأني لأول مرة كنت ببصلها من فوق، مش لأنني متكبرة، لكن لأنني عرفت حجمها الحقيقي
ست ملهاش لزمة؟ طب كنتِ بتاخدي دهبي ليه يا حماتي؟ وكنتِ بتخليني أشتغل ليل نهار عشان توفري مصاريف لبسك ودهبك اللي بتتباهي بيه قدام الناس ليه؟ الحقيقة إنكم كلكم عالة على الخدمة اللي كنتوا بتذلوني بيها، والنهاردة، الخدمة دي هي اللي بتطردكم من حياتي.
الأستاذ كمال تدخل في اللحظة دي، وبدأ يوزع نسخ من الأوراق على كل اللي في الترابيزة الرئيسية. الورق ده كان فيه تفاصيل التوكيلات اللي كريم كان بيستخدمها لصالحه، وعقود البيع اللي كان بيحاول ينقل بيها أصول باسمه. الناس بدأت تقرأ وتهمس، والجو كان تقيل ومكفهر. مي، طليقته، كانت بتبص للموقف بذهول، ولما شافت إن السفينة بتغرق، حاولت تنسحب بهدوء، بس أنا ناديت عليها بصوت مسموع
على فين يا مي؟ لسه الحفلة ما خلصتش.. مش إنتِ اللي كنتِ بتخططي مع كريم إزاي تطلعي نيروز من البيت وتستولي على كل حاجة؟ اتفضلي اسمعي باقي القصة، يمكن تتعلمي درس يفيدك في حياتك الجاية.
مي اتجمدت في مكانها، ووشها اصفر. كريم