اكل جوزي كاملة حكايات زهرة
بس رجالة الأمن اللي كانوا في القاعة منعوه. الوضع كان مأساوي، بس بالنسبة ليا، كان قمة العدل.
خرجت من القاعة وأنا حاسة بتقل بيتشال من على كتافي. الهواء بره كان مختلف، هواء حرية، هواء نضيف بعيد عن ريحة النفاق والغل. ركبت عربيتي، وجدي كان لسه على التليفون، سمع كل حاجة، كان صوته بيتهدج من التأثر
يا بنتي، أنا كنت عارف إن فيكي عرق أصيل، بس ما كنتش متخيل إنك هتوصلي للشجاعة دي. تعاليلي، البيت بيتك، والكل هنا مستنيكي.
وصلت بيت جدي، البيت اللي اتربيت فيه على العزة والكرامة. دخلت، ولأول مرة من 5 سنين، حسيت إنني نيروز تاني. مش مرات كريم، ولا بنت الست فلانة، ولا الخدمة اللي بيذلوها. قعدت مع جدي، حكيتله كل حاجة، عن الوجع، عن الخذلان، وعن اللحظة اللي قررت فيها أكون قوية.
جدي مسك إيدي وقالي
الذهب بيروح ويجي، بس الكرامة هي اللي بتبقى. اللي حصل النهاردة مش نهاية، ده بداية لحياة جديدة هتكوني إنتِ فيها البطلة، مش حد تاني.
قضيت الليلة دي في تفكير عميق. كريم بعتلي مئات الرسائل، مكالمات لا حصر لها، اعتذارات، تهديدات، استعطاف.. بس كنت بحس إن كل ده مجرد ضوضاء. مسحت كل الرسائل من غير ما أقرأها. أنا مش محتاجة أسمع أعذار، أنا محتاجة أعيش في سلام.
في الصبح، صحيت وأنا حاسة بنور جديد بيدخل قلبي. بدأت أرتب لحياتي. الأستاذ كمال اتصل وقالي إن كريم في أزمة قانونية كبيرة بسبب التلاعب اللي كان بيعمله، وإن البيت اللي كنا عايشين فيه بقى رسمي باسمي، زي ما طلبت.
ما كنتش مهتمة بالبيت، كنت مهتمة بس إني أقطع كل خيط بيربطني بيهم. قررت أبيع كل حاجة، وأبدأ استثمار
وانا بجهز شنطي عشان أمشي وأسيب البلد دي، لقيت كريم واقف قدام باب بيت جدي. كان شكله مبهدل، عيونه غايرة، ولبسه مكركب. لما شافني، بدأ يعيط، دموع التماسيح اللي كان بيستخدمها كل ما يغلط.
نيروز، ارجعي، أنا من غيرك ولا حاجة. أنا كنت غبي، كنت مخدوع بكلام أمي ومي.. ارجعي وهعملك اللي إنتِ عايزاه.
بصيتله بإشفاق، نفس الإشفاق اللي كنت بشوفه في عيون الناس في قاعة الفرح، بس المرة دي كان حقيقي
يا كريم، الوجع اللي جوه قلبي مش محتاج اعتذار، محتاج وقت. والوقت ده أنا قررت أبدأ أعيشه لنفسي، مش ليك. الطريق اللي مشيناه سوا انتهى، وكل واحد فينا بقى له طريق تاني.
حاول يقرب، بس جدي طلع ووقف جنبي، وكان صوته زي الرعد
العب غيرها يا بني.. نيروز النهاردة مش نيروز اللي عرفتها. هي دلوقتي أقوى، وأوعى، ومستحيل ترجع لوراء. اخرج من حياتنا، وكفاية اللي عملته لحد كده.
كريم بصلي نظرة أخيرة، نظرة كانت خليط من الندم والكسر، ومشي بخطوات تقيلة، وكأنه شايل فوق كتافه كل خطايا السنين اللي فاتت. أنا فضلت واقفة بتابع خياله وهو بيبعد، وأنا حاسة براحة عمري ما عرفتها.
دخلت البيت، لميت باقي حاجتي، وطلعت للمطار. كان فيه رحلة لبلد بعيدة، بلد أبدأ فيها من الصفر، بلد ما فيهاش حمات بتذل، ولا جوز بيخون، ولا ناس بتبصلي بنظرة شفقة.
وأنا في الطيارة، بصيت للشباك. الغيوم كانت بيضاء ونقية، زي قلبي دلوقتي. فتحت مذكراتي، وبدأت أكتب الفصل قبل الأخير
كانت الرحلة طويلة، بس كل دقيقة فيها كانت بتغسل روحي. كنت بفكر في نيروز اللي كانت بتخاف من ظلها، والنهاردة، هي واحدة بتواجه العالم كله وهي مرفوعة الرأس. كنت بفكر في كل ست بتمر بنفس الظروف، وبقولها في سري إنتِ تقدري، إنتِ أقوى مما تتخيلي، وما تسمحيش لأي حد إنه يخليكي تشكي في قيمتك.
وصلت البلد الجديدة، والجو كان مختلف، الناس كانت مختلفة، بس أنا كنت حاسة إني في بيتي. بدأت أتعرف على ناس جديدة، وبدأت أعيش حياة بسيطة، هادية، ومليانة طموح.
كل يوم كنت بصحى فيه وأنا حاسة بالحرية، كنت بشكر ربنا إنه وقف جنبي في الليلة دي، الليلة اللي اتغير فيها كل شيء. الليلة اللي عرفت فيها إني مش بس نيروز، أنا واحدة قادرة تكون أي حاجة، قادرة تبني، قادرة تنجح، وقادرة تختار نفسها فوق أي شيء.
وأنا بختم كتابة الفصل ده، لقيت نفسي بابتسم. الابتسامة دي مش كانت ضحكة فرح زي اللي ضحكتها في قاعة الفرح، دي كانت ضحكة رضا، رضا عن كل قرار خدته، رضا عن كل وجع تحملته، ورضا عن نيروز اللي أنا عليها دلوقتي.
اللي جاي لسه مجهول، بس المجهول ده ما بقاش يخوفني. بالعكس، بقى يغريني. بقى كأنه لوحة بيضاء، وأنا اللي بمسك القلم عشان أرسم فيها أجمل حكاياتي. حكايات مش عن الفرح اللي كان، ولا عن الوجع اللي فات، حكايات عن الحياة اللي لسه بتبدأ، وعن نيروز اللي عمرها ما هتسمح لأي حد إنه يطفي نورها تاني.
نظرت للسما، وحسيت إن كل نجمة بتلمع هناك هي وعد ليا بكرة أفضل. غمضت
مرت سنة كاملة على الليلة اللي غيرت مجرى حياتي، السنة اللي بدأت بدموع ذل في قاعة فرح، وانتهت بضحكة حرة في بلد تانية خالص. قاعدة دلوقتي في البلكونة بتاعة بيتي الجديد، قدامي فنجان قهوة وشمس الغروب بتلون السما بألوان هادية، نفس الألوان اللي كنت بتمناها لحياتي.
المسافة بيني وبين حياتي القديمة ما كانتش بس آلاف الكيلومترات، كانت سنين ضوئية من الوعي والسكينة. في الفترة دي، مشروع تمكين اللي حلمت بيه بدأ يكبر، وبدأ يلم حواليا ستات كتير عانوا من نفس خذلاني. ما كنتش مجرد مديرة مشروع، كنت نيروز اللي بتسمع، بتسند، وبتعلمهم إن قيمتهم مش مستمدة من أي حد، ولا من أي مسمى اجتماعي.
جالي جواب من الأستاذ كمال من أسبوع، بيقولي فيه إن كريم قضى فترة في السجن بسبب قضايا النصب اللي تورط فيها، وإن حماتي بقت تعيش لوحدها، بعد ما كل اللي كانت بتتباهى قدامهم هجروها. قريت الجواب وقفلته، ما حسيتش لا بشماتة ولا بوجع، حسيت بسلام غريب. كأن كل اللي حصل ده كان درس في مدرسة الحياة، درس كان قاسي، بس كان لازم أخده عشان أعرف قيمتي الحقيقية.
قمت دخلت البيت، وبدأت أرتب مكتبي. المرة دي، وأنا بشتغل، كنت بحس إن كل كلمة بكتبها بتطلع من قلب عاش وجرب، مش من خيال. لقيت صورة قديمة ليا في الصندوق اللي كنت ناوية أرميه، صورة لعروسة صغيرة بتبص للكاميرا بضحكة بريئة، ما كانتش عارفة إن الدنيا هتخبي لها حكايات كتير. مسحت الصورة بحنية، وقلت لنفسي يا نيروز، كان لازم