من شهرين حكايات صافي هاني
لسه تحت الملاحظة في مادة مهدئة قوية في جسمها، مش مجرد إجهاد.
سكت لحظة. وبعدين كمل فيه حاجة مش مفهومة الجرعة مش منتظمة. كأنها كانت بتتاخد تدريجيًا.
حسيت الأرض بتسحب نفسها من تحت رجليا.
تدريجيًا؟
هز راسه لازم نعرف هي وصلت لها إزاي.
سألته بصوت واطي هي في خطر؟
قال لو اتأخرت شوية أكتر، كانت دخلت في غيبوبة.
غيبوبة.
مشيت في الممر من غير ما أبص ورايا. الممر كان طويل بشكل مستفز، وكل خطوة كنت بحسها بتقرّبني من حاجة أنا مش عايز أشوفها بس لازم.
وقفت قدام شباك صغير بيطل على أوضة العناية.
ماجدة كانت نايمة، موصلة بأجهزة. لكن اللي شدني مش هي
اللي شدني إن الممرضة كانت بتغير المحلول وفي زجاجة صغيرة جنبها، مكتوب عليها اسم دواء مهدئ.
دواء مش من بروتوكول الحالات العادية.
سألت الممرضة مين اللي كتب ده؟
قالت وهي بتراجع الورق ده كان موصوف في البيت ومعاها ملاحظات إنها تتاخده كل ليلة.
اتجمدت.
مين اللي كان بيديها الدوا؟
سكتت لحظة الابن وزوجته حسب الملف اللي وصلنا.
ساعتها حسيت إني ما بقاش عندي دم.
رجعت خطوة لورا.
كل حاجة بدأت تتجمع زي قطع صورة كانت ناقصة وبقت واضحة فجأة وواضحة بشكل يخوف.
تليفون ماجدة اللي اختفى.
السكوت اللي جه فجأة.
الكلام الكتير عن التعب.
والإسعاف اللي اتمنع يدخل البيت.
ورحت عند السور الحديد، مسكت في القضبان كأني بحاول أمنع نفسي أتهور.
لكن جوه دماغي، كان في صوت واحد بس بيزيد
لازم ترجع البيت دلوقتي خرجت من المستشفى وأنا مش حاسس برجليا.
الشارع كان عادي عربيات ماشية، ناس بتضحك، طفل بيجري ورا كورة لكن أنا كنت ماشي جوه فيلم صامت.
كل كلمة الدكتور كانت بتتكرر في دماغي تدريجيًا جرعة مهدئ قوي البيت
البيت.
البيت اللي أنا دفع عمري كله عشان يفضل آمن.
ركبت العربية، وفضلت سايق
ناحية البيت اللي فيه كريم.
وأول ما دخلت الشارع، لاحظت حاجة غريبة
النور في البيت كان مولع رغم إن الوقت مش متأخر. والستارة اللي فوق اتفتحت لحظة وبعدين اتقفلت بسرعة.
كأن حد كان بيراقب.
وقفت العربية بعيد شوية. مطفيت النور.
فضلت ساكت.
دقيقتين تلاتة
لحد ما باب البيت اتفتح.
كريم نزل لوحده.
واقف على السلم كأنه مستنيني من بدري.
ما اتحركش ناحيتي بس ابتسم.
ابتسامة قصيرة مش دافئة أقرب لابتسامة واحد عارف إن اللحظة دي هتيجي.
قربت منه وأنا نازل من العربية.
قلت له بصوت هادي جدًا إنت كنت عارف.
رد بسرعة عارف إيه يا بابا؟
إنها كانت بتتسمم.
الابتسامة اختفت.
بس مش اتفزع بالعكس وشه بقى أهدى.
قال إنت راجع تتهمني تاني؟
سكت لحظة، وبص ناحية الشارع كأنه بيقيس المسافة بيننا وبين أي حد ممكن يسمع.
ماما تعبانة والدكاترة قالوا كلام كبير وإنت جاي تهدم البيت بدل ما تطمن عليها.
قربت خطوة.
أنا شوفت التحاليل.
ساعتها عينه اتغيرت.
مش خوف غضب مكبوت.
وهو بيقرب مني قال تحليل إيه؟ مين اداك التحاليل دي؟
قبل ما أرد، صوت عربية جاية بسرعة وقف عند أول الشارع.
بسمة.
نزلت وهي بتجري، شعرها مش مرتب زي المرة اللي شفتها فيها فوق وشها كان فيه توتر حقيقي لأول مرة.
قالت بسرعة فيه مشكلة؟ في المستشفى حصل حاجة؟
بصيت لها.
وبصيت لكريم.
وبعدين قلت أمكوا كانت بتتاخد لها مهدئات من غير علمي.
سكتوا.
ثانية واحدة كانت أطول من سنة.
بسمة بلعت ريقها وقالت دي دي كانت بتبقى علشان تهدى. هي كانت بتقلق كتير وإحنا كنا بنحاول نساعدها.
كريم كمل بسرعة بالظبط. الدكتور كتبها. إحنا بس كنا بننفذ.
هزيت راسي ببطء.
ومين الدكتور؟
ما ردوش.
السكوت هنا كان إجابة.
وفي اللحظة
إيد بسمة كانت بتترعش وهي ماسكة شنطتها.
مش رعشة خوف بس
رعشة حد ماسك حاجة تقيلة عليه من زمان ومش قادر يسيبها.
سألتها بصوت أهدى بسمة بصيلي.
بصتلي.
مين كان بيحط الدوا؟
اتكسرت نظرتها لحظة.
وبعدين قالت جملة خلت الشارع كله يسكت في ودني
مش إحنا اللي كنا بنديه لوحده يا عم فاروق
وسكتت.
كأنها استوعبت إنها قالت أكتر من اللازم.
كريم لف ناحيتها بسرعة إسكتي.
لكن أنا كنت خلاص مسكت الخيط.
خيط رفيع جدًا بس كفاية يهد جبل.
وقفت بينهم، وبصيت للبيت اللي وراهم.
البيت اللي الستاير فيه لسه مقفولة.
وقلت بصوت واطي يبقى فيه حد تالت جوه البيت ده كان بيقرر كل حاجة وإحنا نايمين الصوت لما الباب اتقفل ما كانش عالي لكنه كان كافي يخلي أوضة كاملة تتحول لقفص.
وقفت مكانك من غير ما تلف بسرعة، لأنك عارف إن اللي بيقفل الباب بالهدوء ده مش حد مستعجل، ده حد واثق.
الخطوات على السلم قربت درجة بعد درجة.
بسمة ابتلعت ريقها، وكريم شدّ نفسه فجأة كأنه لقى مخرج في دماغه وبيدوّر عليه جوه الأوضة.
ماجدة بصّت ناحية الباب، وبعدين رجعت تبص لي، وكأنها بتحاول تقول حاجة ومش قادرة تلمّها في كلمة.
أنا اتحركت خطوة ناحية الباب، مش عشان أفتحه لكن عشان أسمع.
الخطوات وقفت.
سكون.
وبعدين صوت رجل هادي جدًا جاي من برا كله تمام جوه؟
الصوت ده
مش غريب.
بس مش قادر أربطه بحاجة واضحة في دماغي.
كريم رد بسرعة قبل ما أفكر أيوه تمام.
لحظة.
الصوت من برا ضحك ضحكة خفيفة متتعبوش نفسكم هو خلاص شاف كل حاجة.
إيدي راحت تلقائيًا ناحية المقبض.
بس قبل ما ألمسه، ماجدة قالت بصوت مبحوح فاروق متفتحش
اتجمدت.
دي أول مرة تقولها كده مش طلب ده تحذير.
بصّيت لها.
عينيها كانت مفتوحة على آخرها، بس فيها حاجة جديدة خوف مش عليها هي عليا
بسمة وقفت فجأة في النص، وبصّت لكريم هو جاي ليه دلوقتي؟ إحنا كنا متفقين
كريم ما ردش.
وده كان أخطر رد.
الخطوات رجعت تتحرك بس المرة دي كانت بتقرب من الباب مباشرة.
قفلت إيدي على المقبض.
وبعدين خبطتين خفيفين على الباب.
فاروق باشا افتح. ما نطوّلهاش.
سكت ثانية.
وبعدين كمل بنفس الهدوء إنت عارف إنك طول عمرك بتفهم بسرعة ما تضيعهاش دلوقتي.
وقبل ما أرد
سمعت صوت ماجدة وهي بتهمس جملة واحدة بس، كأنها بتطلع آخر نفس من صدرها
هو اللي كان بيخلّي الدوا يزيد مش هم
الكلمة وقعت جوه دماغي زي طلقة ما بتطلعش صوتها.
البيت كله فجأة ما بقاش ابنك وبنتك وبنتك ومراتك
بقى في حد تالت فعلاً مش بس موجود
ده كان ماسك الخيوط من الأول.
الباب اتزقّ من برا ببطء.
مش بيخبط.
بيفتح.
وكريم لأول مرة في حياته رجع لورا خطوة الهواء سكت.
حتى صوت الشارع اللي بعيد اختفى كأنه اتسحب فجأة من المكان.
كريم خد خطوة لقدّام، وصوته طلع حاد لأول مرة مفيش حد تالت يا بابا. إنت بتلف وبتدور على حاجة مش موجودة.
بسمة ما ردتش كانت واقفة مكانها، عينيها معلّقة على باب البيت كأنها مستنية حاجة تطلع أو تختفي.
أنا ما بصّتش لكريم.
بصّيت للباب.
وقلت بهدوء أخوف من أي عصبية افتحه.
كريم اتجمد. إيه؟
افتح باب البيت.
ثواني عدّت وبعدين بص لي كأنه بيقيسني لأول مرة كراجل مش أب.
أنت داخِل تدور في أوضنا؟
أنا داخل أشوف مراتي.
الجملة وقعت بينهم زي حجر في ميّه ساكنة.
بسمة تحركت بسرعة خلاص يا كريم افتح وخلاص.
كريم بص لها بغضب مكتوم، وبعدين لف ومشى ناحية الباب.
وكل خطوة كان بيخبط بيها الأرض كأنه بيحاول يثبت إنه لسه مسيطر.
الباب اتفتح.
والبيت استقبلنا بهدوء غريب.
نفس الريحة دهان جديد كرتون متراكم لكن كان في حاجة ناقصة.
الصوت.
مفيش صوت خالص.
لا تلفزيون لا حركة لا حتى همس.
طلعنا السلم.
كل درجة كانت بتاخد مني عمر.
لحد ما وصلنا قدام أوضة الضيوف.
نفس الأوضة.
الستارة مقفولة.
النور ضعيف.
كريم وقف