من شهرين حكايات صافي هاني
قدام الباب وقال هي نايمة.
مسكت المقبض.
وقبل ما أفتحه، سمعت صوت خفيف من جوه.
مش صوت حركة.
صوت حاجة بتتكسر ببطء زي كوباية بتفلت من إيد حد مش قادر يمسكها.
بسمة همست بابا استنى
ما استنيتش.
فتحت الباب.
ماجدة كانت قاعدة على السرير.
لكن مش نفس ماجدة اللي شُفتها في المستشفى.
كانت قاعدة وظهرها على المخدة، وإيديها متشابكة في بعض، وعينيها مفتوحة بس مش مركزة في حاجة.
لكن اللي لفت نظري مش هي
اللي على الترابيزة الصغيرة جنبها.
علبة أدوية مفتوحة.
وزجاجة ميّه.
وحقنة صغيرة فاضية مرمية في طبق.
رجلي وقفت مكانها.
ماجدة رفعت عينيها ببطء ناحية الباب.
ولأول مرة صوتها خرج واضح، بس ضعيف
متصدقهمش
كريم اتقدم بسرعة ماما إحنا كنا بنحاول نساعدك
بسمة قاطعته بسرعة اسكت!
الصوت طلع منها أعلى من المتوقع.
كلنا بصينا لها.
وكان واضح إنها فقدت السيطرة لحظة.
قربت خطوة ناحية الترابيزة، وبصّت للعلبة المفتوحة.
وبعدين قالت بصوت مكسور هو مش كان المفروض يفضل نايم لحد ما لحد ما الموضوع يخلص؟
سكتت.
وأول مرة أشوف كريم مش بيرد فورًا.
بص لها بس.
بسمة كملت وهي بتبلع ريقها إنت قلتلي جرعة واحدة زيادة مش هتفرق.
ساعتها
الهواء نفسه اتكسر.
ماجدة حاولت تتحرك، لكن إيديها وقعت على الملاية.
وبصتلي.
نظرة واحدة.
كانت كفاية تقول كل حاجة من غير ما تنطق.
وقبل ما أتكلم
سمعت صوت خطوات على السلم.
خطوات بطيئة.
متأكدة.
مش بتتردد.
والباب اللي ورايا
اتقفل بهدوء الكلمة دي وقفت الأوضة كلها.
ما كنتش بقرأه لوحدي
الراجل ما اتحركش. بس ابتسامته اختفت لأول مرة.
كريم بص لها بسرعة تقصدّي إيه؟ مين كان معاكي؟
ماجدة حاولت ترفع نفسها سنة، لكن إيديها وقعت تاني على السرير.
كان بيقولي ده علاج وإنه هيريّحني وإنكم مش هتفهموا غير لما أهدى
بسمة رجعت خطوة لورا، وكأن
الراجل قال بهدوء محسوب أنا ما بضغطش على أي مريض. الكلام ده مش دقيق.
لكن صوته المرة دي ما بقاش مطمّن زي الأول.
بصّيت له.
وبعدين سألت السؤال اللي كان المفروض يتسأل من بدري مين كان بيجيبك البيت؟
سكت.
ثانيتين.
وبعدين قال كريم.
كريم اتفزع أنا؟! إنت بتقول إيه؟!
الراجل رفع إيده بهدوء مش بشكل مباشر. لكن التواصل كان بييجي من البيت ده وطلب المتابعة كان متكرر بحجة إن الحالة بتسوء لما تبقى لوحدها.
بصيت لكريم.
كريم بص لي.
وفي النص بسمة كانت بتعيط من غير صوت.
ماجدة همست هو كان بيقول لي إنكم عايزين تحبسوني وإن البيت ده بقى خطر عليا
الصمت هنا كان تقيل لدرجة إنك تسمع النفس.
كريم هز راسه ده كذب إحنا عمرنا ما
بس فجأة سكت.
كأنه افتكر حاجة.
جملة صغيرة.
أو موقف.
الراجل اقترب خطوة من الترابيزة وبص على الملف اللي عليها.
وقال فيه حاجة مهمة لازم نفهمها كلنا الجرعات اللي اتديت كانت أعلى من الطبيعي، لكن مش كلها جاية من نفس المصدر.
بص لنا واحد واحد.
وبعدين قال فيه حد كان بيعدل في الجدول بعد ما بيتكتب.
بسمة رفعت رأسها بسرعة أنا كنت بس بنظم الدوا زي ما اتقال لي
الراجل قاطعها التعديل مش تنظيم. التعديل تغيير جرعة.
كريم فجأة ضرب الحيطة بإيده كفاية! إحنا مش بنحقق في جريمة!
لكن صوته ما كانش واثق زي الأول.
ماجدة بدأت تبكي بهدوء دموع مش صوت.
وبعدين قالت أنا كنت بخاف أنام لأن كل مرة أصحى ألاقي نفسي مش فاكرة أنا خدت إيه
سكتت لحظة.
وبعدين بصّت لي فاروق أنا كنت بحاول أقولك بس التليفون كان بيتاخد وكانوا بيقولوا إنك مشغول
الدم في وداني بدأ يدق بسرعة.
التليفون
السكوت
الزيارات اللي اتمنعت
الإسعاف اللي اترد
كلها بدأت تتجمع في نقطة واحدة.
بصيت لباب الأوضة.
وبعدين للراجل.
وبعدين لكريم.
وقلت
سكت لحظة.
وبعدين كملت
إنتوا مختلفين بس في مين بدأ يزوّر الحقيقة الأول الباب ما اتفتحش مرة واحدة
اتفتح ببطء، كأنه حد بيدخل مكانه الطبيعي مش بيقتحم بيت.
الضوء اللي في السلم دخل على الأوضة، وقطع العتمة شريطين طويلين على الأرض.
أول ما الشكل بان ملامحه ما كانتش مفاجأة قد ما كانت إزعاج قديم بيرجع يطلع.
راجل في أواخر الخمسينات، هادي، مرتب زيادة عن اللزوم، لبسه بسيط لكن نظيف بشكل ملفت وابتسامة صغيرة ثابتة على وشه كأنه داخل زيارة عادية.
عينيه جت عليّا الأول.
وبعدين على ماجدة.
وبعدين على الإبرة الفاضية على الترابيزة.
وبعدين قال بهدوء كويس إنك جيت بدري.
كريم بصّ له بسرعة إنت مين؟
الراجل ما ردش عليه مباشرة.
كأن السؤال مش مهم.
وبص لي أنا وقال حضرتك دايمًا كنت بتقول إنك بتحب تفهم الصورة كاملة قبل ما تحكم.
سكت لحظة، وبعدين كمل أنا بس بحاول أساعدك تعمل كده.
بسمة رجعت لورا خطوة، وصوتها طلع متوتر هو هو اللي كان بيشرف على العلاج.
ساعتها فهمت.
مش مجرد دكتور.
مش مجرد طرف.
في حاجة أكبر وأهدى وأخطر.
الراجل دخل خطوة جوه الأوضة من غير ما يستأذن، وبص على ماجدة وقال الحالة كانت محتاجة تهدئة مستمرة وإلا كانت هتدخل في نوبات شك وهلاوس.
لف ناحيتي حضرتك شفت بنفسك إنها كانت مرهقة. بتشك في كل حاجة. وبتتوتر بسرعة.
ماجدة حاولت ترفع إيدها، لكن إيديها وقعت على السرير.
وقالت بصوت متقطع أنا أنا كنت فاكرة إني بتهد مش بتتخدر
الكلمة دي خلت الصمت يتكسر.
بصّيت للراجل إنت كنت بتديها إيه بالظبط؟
ابتسم ابتسامة قصيرة الجرعات اللي تمنعها من إنها تأذي نفسها أو تأذي غيرها خصوصًا لما الشك يبدأ يكبر.
كريم تدخل بسرعة يعني إيه تأذي؟ هي أمنا!
الراجل لف له لأول مرة وأحيانًا الأقرب هو
الهواء في الأوضة اتغير.
بسمة بصت للأرض.
كريم شدّ نفسه.
وأنا
أنا كنت بحاول أربط.
كل حاجة.
الشك البيت السكوت الإبرة التغيّر السفر المفاجئ
لكن في حاجة مش راكبة.
سألت مين طلب منك تبدأ العلاج ده؟
سكت لحظة.
وبعدين قال جملة خلت الإيد اللي ماسكة الباب ترتخي غصب عني
هي نفسها.
ماجدة رفعت عينيها بسرعة.
وقالت لأول مرة بصوت واضح كذب
لكن صوتها كان أضعف من إنه يكسر جملة جاهزة زي دي.
الراجل كمل بهدوء وقعت على ورق الموافقة بنفسها.
صمت.
وبعدين بص لي وقال بس واضح إن فيه ناس قررت تستخدم العلاج بشكل مختلف بعد كده.
ساعتها
بصيت لبسمة.
بعدين لكريم.
وبعدين للسرير.
والصورة بدأت تتغير في دماغي
مش حد واحد بيخبي الحقيقة.
لكن كل واحد بيحكي جزء منها بطريقة تخليها شبه الحقيقة ومش الحقيقة في نفس الوقت.
وفي اللحظة دي
ماجدة همست بصوت مكسور جدًا
أنا وقعت الورق بس أنا ما كنتش بقرأه لوحديالصمت اللي بعد جملتي كان مختلف.
مش صمت خوف صمت إدراك.
كأن كل واحد في الأوضة بيحاول يراجع شريط سريع في دماغه ويشوف هو فين بالظبط من اللي بيحصل.
الراجل أول واحد كسر الصمت.
قال بهدوء أقل تماسكًا من الأول أنا دوري طبي مش تحقيقي.
بس عينه ما كانتش ثابتة.
كريم لفّ ناحيته بسرعة يعني إيه؟ يعني أنا اللي بزوّر؟
بسمة قعدت على طرف السرير، كأن رجليها مش شايلينها.
ماجدة مسكت طرف الملاية بإيد مرتعشة، وكأنها بتتأكد إنها لسه موجودة في الواقع.
أنا بقيت في النص.
بينهم وبينها.
وبين كل حاجة اتقالت وكل حاجة لسه ما اتقالتش.
قلت مش محتاجين نثبت مين غلطان دلوقتي.
وبصيت لماجدة محتاجين نفهم إنتِ خدتِ إيه بالظبط ومين كان بيديكي إيه فعلًا.
ماجدة هزت راسها ببطء فيه أيام كنت بصحى ألاقي نفسي مش قادرة أقوم ويقولوا لي ده طبيعي الجسم بيتعب بعد النقل
سكتت
وفي أيام كنت بحس إني مش أنا كأني بتفرج على نفسي من بعيد
بسمة فجأة همست أنا كنت بخاف عليكي كنتي بتزعقي وبتشكّي في كل حاجة
ماجدة بصّت لها ولا مرة