لما أمي خرجت من البيت وسابت إخواتي الصغيرين بيعيطوا
أمي ما سابتناش بسبب اللي إنتِ شوفتيه يومها...
والله العظيم في اللحظة دي حسيت إن قلبي وقف مكانه، وبصيت لحبيبة كأني مستنية منها تقول إنها بتهزر أو إنها فهمت حاجة غلط، لكن وشها كان شاحب بشكل خوّفني، وعينيها كانوا مليانين حاجة عمري ما شوفتها فيهم قبل كده، حاجة بين الخوف والشفقة والتردد، وكأنها هي نفسها مش عارفة اللي هيتقال بعد كده هيهد الدنيا اللي عايشين جواها ولا هيبنيها من جديد.
قولت بصوت طالع بالعافية
إنتِ بتقولي إيه؟
قعدت حبيبة جنبي على السرير ومدت إيدها ناحية الورقة اللي فوق ركبتي وقالت
اقري الأول... وبعدها احكمي.
بصيت للورقة تاني، ولأول مرة من ساعة ما شفت خط أمي حسيت إني خايفة، مش خايفة من اللي مكتوب جواها، لا... خايفة من احتمالية إن كل حاجة عشت مقتنعة بيها طول السنين اللي فاتت تطلع كدبة، وخايفة أكتر إن الذنب اللي أكل عمري كله يطلع مالوش وجود من الأساس.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفرد الورقة، ولما وقعت عيني على أول سطر حسيت إن الأوضة كلها بتلف بيا.
يا فريدة... لو بتقري الرسالة دي يبقى الحقيقة وصلتلك أخيرًا بعد سنين طويلة من الكذب والخوف والندم.
وقفت عند كلمة الندم.
أمي؟
أمي ندمانة؟
كملت وأنا حاسة إن كل حرف بيشد حاجة قديمة مدفونة جوا صدري.
أول حاجة لازم تعرفيها قبل أي كلمة تانية إني عمري ما سبت البيت بسببك، وعمرك ما كنتِ السبب في اللي حصل، والجملة اللي قولتهالك يوم ما خرجت من البيت هي أكبر ذنب شايلاه فوق ضهري من اليوم ده لحد اللحظة اللي بكتبلك فيها الكلام ده.
حسيت إن نفسي اتقطع.
وبدأت أشوف الكلمات قدامي مشوشة من الدموع.
لكنّي كملت.
عارفة إنك طول عمرك فاكرة
رفعت عيني عن الورقة وبصيت لحبيبة.
لقيتها هي كمان بتعيط.
فهمت ساعتها إنها قرت الرسالة قبلي.
فنزلت عيني تاني على السطور.
الراجل ده ماكانش حبيب، وماكانش شخص دخل حياتي بإرادتي، الراجل ده كان مدير في الشغل، ومن أول يوم اشتغلت معاه وهو بيحاول يقرب مني بطريقة كانت بتخوفني، وكل ما كنت أبعد كان يرجع يحاول تاني، وكل ما كنت أرفض كان يضيق عليا أكتر.
بلعت ريقي بالعافية.
وأكملت.
وأيوة... حكيت لأبوكي.
هنا بالذات حسيت إن قلبي خبط في ضلوعي بعنف.
حكيتله مرة واتنين وعشرة، وكنت كل مرة أرجع من الشغل مرعوبة وأقوله إني مش مرتاحة وإن الراجل ده نيته مش سليمة، لكنه كان دايمًا يرد بنفس الكلام... استحملي شوية... امشي الأمور... إحنا مش ناقصين مشاكل... لحد ما الفترة الصعبة دي تعدي.
ساعتها حسيت إن الأوضة كلها سكتت.
لأن أول مرة في حياتي حد بيحط أبويا جوه الصورة.
أبويا اللي طول عمري شوفته الضحية الوحيدة.
أبويا اللي شوفته بيكسر نفسه علشان يربينا.
أبويا اللي عمره ما اشتكى.
كملت وأنا حاسة إن أنفاسي بتضيق.
أنا مش بكتب الكلام ده علشان أبرئ نفسي أو أدين أبوكي، لأن الحقيقة إننا إحنا الاتنين غلطنا، وأنا وهو دفعنا تمن الغلط ده سنين طويلة، لكن لازم تعرفي الحقيقة كاملة، لأن الحقيقة عمرها ما كانت شخص واحد غلطان وشخص واحد بريء.
حسيت إن دموعي نزلت أكتر.
لأن دي أول مرة حد
الحقيقة مش أبيض وأسود.
الحقيقة كانت أعقد وأوجع.
بعد فترة الراجل ده بدأ يهددني، مرة بالشغل، ومرة بالفلوس، ومرة بكلام فهمت منه إنه يعرف عن حياتنا أكتر مما المفروض يعرف، وساعتها بدأت أخاف بجد.
إيدي كانت بتترعش أكتر.
والحروف قدامي بدأت تبقى ضبابية.
ولما شوفتي المشهد اللي فضل محفور جواكي طول السنين دي، ماكنتيش شايفة اللي حصل قبلها بدقائق، ماكنتيش شايفة إني كنت بحاول أخلص منه، ولا شايفة كلامه ولا تهديداته، ولا شايفة إني كنت واقفة مرعوبة من اللي ممكن يعمله لو عملتله مشكلة قدام الناس.
قفلت عيني.
ورجعت أشوف المشهد من جديد.
الشركة.
العربيات.
الناس.
أمي.
والضحكة.
الضحكة اللي عشت عمري كله أفسرها بطريقة واحدة.
أما الضحكة اللي شوفتيها، فكانت أكتر لحظة بتموتني كل ما أفتكرها، لأنك شوفتيها وافتكرتي إنها ضحكة رضا، بينما الحقيقة إنها كانت ضحكة خوف وتوتر وإنسان بيحاول يعدي الموقف من غير ما يولع الدنيا حواليه.
لكن أكتر حاجة لازم تعرفيها إني ما خرجتش من البيت علشان الراجل ده، ولا علشان أعيش معاه زي ما الناس كلها افتكرت، أنا خرجت بعد الليلة اللي حكيتِ فيها لأبوكي، لأن الدنيا كانت اتقلبت فوق دماغنا كلنا، ولأن التهديدات بقت أوضح وأخطر من إني أقدر أتجاهلها، ولأن أبوكي وقتها كان مقتنع إن إبعادي عن الشغل وعن المكان كله لفترة هو الحل الوحيد لحد ما يلاقي مخرج من اللي إحنا فيه، وأنا وافقت وأنا مرعوبة ومشتتة ومش شايفة قدامي، ودي كانت أكبر غلطة في عمري، لأن اللي بدأ على إنه هروب مؤقت اتحول لكارثة ضيعت سنين من عمرنا كلنا.
أنا غلطت لما مشيت، وأبوكي غلط لما سكت شهور على
وعلشان كده لازم تعرفي حاجة تانية، بعد ما مشيت بعت جواب، وبعده جواب تاني، وبعده جوابات كتير، وبعت لأبوكي أرجوه يسمحلي أكلمكم أو حتى أعرف أخباركم، وفضلت مستنية رد ماجاش، ومع الوقت افتكرت إنه اختار يقفل الباب للأبد، ويمكن كان من حقه يغضب، ويمكن ماكانش، لكن اللي أعرفه إن في كلام كتير حاولت أوصله ليكم وما وصلش أبدًا.
وأهم كلام فيهم كله إني ظلمتك يوم ما قولتلك إنتِ السبب، لأن الحقيقة إنك ماكنتيش السبب، ولا في خروجي، ولا في اللي حصل بعده، ولا في انهيار البيت، إنتِ كنتِ طفلة قالت اللي شافته، أما إحنا الكبار فكنا اللي بنغلط وبندفع بعض أكتر ناحية الهاوية كل يوم.
هنا مقدرتش أكمل.
الورقة وقعت من إيدي.
وساعتها بس لمحت الظرف التاني...
الظرف اللي كان باسم أبويا.
واللي كان متخبي في نفس الكيس...
فضلت باصة للظرف ثواني طويلة وكأني مستنية حد يمنعني أفتحه أو مستنية معجزة تحصل وترجعني للبنت اللي كنتها قبل ساعة واحدة بس من اللحظة اللي الأسرار كلها بدأت تقع فوق دماغي واحدة ورا التانية، لكن المعجزات عمرها ما كانت بتحصل في حياتنا، والحقيقة لما بتقرر تطلع للنور مبتستأذنش حد، فمديت إيدي وفتحت الظرف ببطء شديد وطلعت الورقة اللي جواه وأنا حاسة إن قلبي بيدق بطريقة موجعة أكتر ما هي مخوفاني، ولما وقعت عيني على أول سطر عرفت من غير ما أبص مرتين إن ده فعلًا خط أمي، نفس الخط اللي كنت بشوفه زمان على ورق المدرسة وعلى الملاحظات اللي كانت تسيبها لينا فوق التلاجة، ونفس الخط اللي
أحمد...
معرفش هتقرأ الجواب ده ولا لأ، ومعرفش أصلًا إذا كنت هترضى تشوف أي كلمة جاية مني بعد كل