لما أمي خرجت من البيت وسابت إخواتي الصغيرين بيعيطوا
وأنا بسمعه.
لأن لأول مرة في حياتي بشوف أبويا مش كضحية بس.
بشوفه كإنسان غلط.
واتحاسب.
ومازال بيتحاسب.
كمل بصوت مبحوح
لما طلبت تشوفكم رفضت، ولما بعتت تاني رفضت، ولما بعتت مرة ورا مرة رفضت، كنت غضبان منها، وغضبان من نفسي، ومش قادر أبص في وش أي حد فيكم من كتر إحساسي بالفشل، وبعد شوية بقيت أخبي الجوابات كلها، وكل مرة أقول هقولكم الحقيقة بكرة، لكن بكرة كان بيبقى أصعب من اللي قبله، لحد ما السنين عدت وبقيت جبان زي ما كنت جبان زمان.
وبعدين سكت لحظة، وكأنه بيحاول يطلع الكلام من مكان عميق جواه بقاله سنين مدفون.
وقال
بعد أول كام جواب بقيت كل ما أمسك واحد منهم أحس إني لو سلمته ليكم هتعرفوا إني كنت عارف من البداية وسكت، وإن أمكم ما كانتش الوحيدة اللي غلطت في الحكاية، وإن أبوكم اللي كنتوا شايفينه دايمًا الضحية كان ليه نصيب من اللي حصل. وكل سنة كانت بتعدي كانت بتخلي الاعتراف أصعب من اللي قبلها، لحد ما بقيت سجين للكذبة اللي أنا بنفسي صنعتها.
بصيتله ودموعي نازلة من غير توقف.
وقولت
وسبتني أعيش اتناشر سنة فاكرة إني السبب؟
هنا انهار فعلًا.
وقال
لا يوم كنتي السبب ولا يوم صدقت إنك السبب، لكن كل يوم كان بيعدي كان بيبقى أصعب عليا إني أقولك الحقيقة، وكل يوم كنت بخاف أخسركم لو عرفتوا إني أنا كمان غلطت.
الصالة كلها غرقت في صمت موجع.
لأن الحقيقة أخيرًا بقت واقفة قدامنا من غير أقنعة.
أمي غلطت.
وأبويا غلط.
وإحنا كنا الأطفال اللي شالوا التمن.
وفجأة قام أبويا من مكانه واتجه ناحية أوضته من غير ما يقول كلمة، وسابنا واقفين في الصالة وسط صمت غريب وتقيل، صمت كان مليان أسئلة أكتر من الإجابات اللي سمعناها، وبعد دقائق رجع وهو
أخدتها منه.
ولما بصيت فيها لقيت عنوان مكتوب بخط إيده.
رفعت عيني ناحيته.
وقولت بصوت خرج بالعافية
إيه ده؟
بلع ريقه.
وقال بصوت خافت وكأنه بيعترف بحاجة حملها فوق ضهره سنين طويلة
عرفت مكانها من سنين... بعد آخر جواب بعتته.
اتجمدت مكاني.
وبصيت للعنوان تاني.
وبعدين رجعت أبصله.
وقولت
وما رحتش؟
ابتسم ابتسامة صغيرة كلها وجع، ابتسامة إنسان وصل للحقيقة متأخر أوي لدرجة إن الندم نفسه مبقاش كفاية علشان يخفف اللي جواه.
وقال
روحت.
روحت أكتر من مرة كمان.
كنت أوصل لحد آخر الشارع اللي ساكنة فيه وأفضل واقف بعيد أبص على البيت من غير ما أقرب، كنت أشوف النور مولع في البلكونة بالليل وأفضل واقف أتخيل هي قاعدة فين وبتفكر في إيه، وشوفتها مرة من بعيد واقفة عند الشباك، ومرة تانية وهي خارجة تشتري حاجة، لكن في كل مرة كنت برجع قبل ما أخد خطوة واحدة ناحيتها.
سكت شوية.
وبعدين كمل وهو باصص للأرض
لأني كنت خايف.
خايف أسمع الحقيقة كاملة بعد ما قضيت سنين أقنع نفسي بحقيقة أسهل.
وخايف أواجه نصيبي من اللي حصل.
وخايف أبص في عينيها وأكتشف إن الست اللي كنت شايفها طول الوقت السبب الوحيد في خراب البيت كانت شايلة وجع أكبر بكتير من اللي كنت متخيله.
وخايف أكتر ألاقي في عينيها سؤال واحد مكنتش أملك له أي إجابة...
ليه سيبتني لوحدي؟
الصمت اللي نزل بعدها على الصالة كان تقيل بشكل موجع.
كأن كل كلمة خرجت منه كانت بتكشف جرح قديم محدش فينا كان شايفه طول السنين دي.
بصيت للعنوان.
وبعدين بصيت لحبيبة.
وهي بصتلي.
وفي اللحظة دي حسيت إن الباب اللي اتقفل يوم ما أمي خرجت من البيت وهي سايبة وراها طفلة مكسورة وشنطة سفر وكلمة فضلت تقتل روحها سنين طويلة... أخيرًا بدأ يتفتح من جديد.
فضلت ماسكة الورقة بإيدي ومش قادرة أبعد عيني عن العنوان.
العنوان اللي ممكن يكون مخبي وراه إجابات عمري كله.
العنوان اللي ممكن يثبت إن حياتي كلها كانت مبنية على حقيقة ناقصة.
بصيت لأبويا.
وقولت
آخر جواب بعتته كان إمتى؟
سكت شوية.
وبعدين قال
من تلات شهور.
رفعت عيني له بسرعة وكأني متأكدة إني سمعت غلط.
تلات شهور؟
يعني بعد اتناشر سنة كاملة كانت لسه بتحاول.
كانت لسه بتكتب.
ولسه بتستنى.
ولسه عندها أمل إن باب اتقفل من زمان ممكن يتفتح في يوم.
حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
لأن فجأة الست اللي فضلت سنين أقول إنها نسيتنا طلعت أكتر واحدة عمرها ما قدرت تنسانا.
والست اللي كنت مقتنعة إنها اختارت حياة تانية بعيد عننا طلعت لسه مستنية رد عمره ما جه.
بصيت لحبيبة.
لقيتها بتعيط.
وقالت بصوت متقطع
يبقى لازم نروح.
محدش رد.
لكن محدش اعترض.
لأن القرار كان اتاخد من اللحظة اللي عرفنا فيها الحقيقة.
تاني يوم الصبح خرجنا بدري.
أنا.
وحبيبة.
وأبويا.
وطول الطريق محدش فينا كان بيتكلم.
كل واحد كان غرقان جوه دوامة أفكار عمرها ما سابته.
أنا كنت بفكر في أول كلمة هقولها لأمي لو شفتها.
هل أقولها وحشتيني؟
ولا أسألها ليه؟
ولا أعيط وبس؟
أما حبيبة فكانت ماسكة إيدي طول الطريق كأنها خايفة نصحى فجأة ونكتشف إن كل اللي حصل
وأبويا كان قاعد جنب الشباك باصص للطريق كله من غير ما ينطق، لكن من ملامحه كنت عارفة إنه رايح يواجه مش بس أمي... رايح يواجه نفسه بعد سنين طويلة من الهروب.
ولما وصلنا.
نزلت من العربية.
وبصيت للبيت.
بيت صغير وقديم وبسيط جدًا.
لدرجة إني استغربت.
إزاي مكان بالشكل العادي ده قدر يخبي جواه كل الأسرار دي؟
إزاي عنوان صغير مكتوب على ورقة قديمة فضل بعيد عننا اتناشر سنة كاملة؟
قلبي كان بيدق بعنف.
بعنف خلاني أحس إني مش قادرة أتنفس.
ومشيت ناحية الباب.
وكل خطوة كنت باخدها كانت كأنها سنة من السنين اللي ضاعت من عمرنا.
لحد ما وقفت قدامه.
وخبطت.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
ومحدش فتح.
بصيت لحبيبة.
وبعدين خبطت تاني.
المرة دي الباب اتفتح ببطء.
وظهرت ست كبيرة في السن.
بصتلنا باستغراب ثواني.
لكن فجأة ملامحها اتغيرت.
ونزلت الدموع في عينيها.
وقالت
إنتوا تبقوا فريدة وحبيبة؟
اتجمدت مكاني.
وقولت
إنتِ تعرفينا؟
هزت راسها وقالت وهي لسه واقفة عند الباب كأنها شايلة خبر تقيل على صدرها من سنين
كانت مستنياكم.
الكلمة وقعت عليا بطريقة غريبة، مش بس كإجابة، لكن كأنها بتفتح باب تاني جوه قلبي كان مقفول من زمان، باب الخوف اللي كنت فاكرة إني خلاص دفنته، لأن كانت مستنياكم معناها إن في حد عاش طول السنين دي كلها شايل نفس الاسم اللي أنا شايلاه، نفس الذنب، نفس الوجع، ونفس الانتظار اللي ماكنش ليه نهاية.
بلعت ريقي بالعافية، وصوتي طلع مبحوح وأنا بقول
هي فين؟
الست بصت لنا شوية كأنها بتتأكد إن اللحظة دي حقيقية مش حلم، وبعدين فتحت الباب أوسع وقالت بصوت أهدى بس كله وجع
اتفضلوا هي جوه.
ومجرد ما دخلنا البيت حسيت
خطواتنا كانت بطيئة بشكل مخيف، كأن الأرض نفسها بتشدنا وبتقولنا إن اللي جاي مش رجوع عادي، ده مواجهة كاملة مع كل اللي فات، وكل خطوة كنت باخدها كنت