لما أمي خرجت من البيت وسابت إخواتي الصغيرين بيعيطوا
اللي حصل، لكني بكتب برضه لأن السكوت دمر حاجات كفاية، ولأن في حقائق لو فضلت مدفونة أكتر من كده هتقتل اللي باقي جوانا كلنا.
أنا مش بطلب منك تسامحني، ومش بطلب منك ترجعني، ومش بطلب منك تدافع عني قدام حد، أنا بس بطلب منك حاجة واحدة... متخليش البنات يدفعوا تمن غلطتنا إحنا.
حسيت بإيديا بتتشبث بالورقة أكتر وأنا بكمل القراءة ودموعي بدأت تنزل من غير ما أحس.
عارفة إنك غضبان، ومن حقك، وعارفة إنك موجوع، ومن حقك، لكن كل يوم بيعدي وأنا بعيدة عنهم بحس إن في حتة مني بتموت، وكل يوم أصحى فيه من النوم وأفتكر إن آخر حاجة قولتها لفريدة كانت إنتِ السبب بحس إني أوسخ إنسانة على وش الدنيا، لأن البنت اللي كان المفروض أحميها أنا اللي جرحتها، والبنت اللي كان المفروض أطبطب عليها أنا اللي حملتها ذنب مالهاش أي علاقة بيه.
وقفت عند السطور دي لحظة علشان أمسح دموعي، لكني رجعت أكمل بسرعة كأني خايفة الحقيقة تهرب مني تاني.
أنا ظلمتها، وظلمتكم كلكم، لكن في حاجة لازم تعرفها، أنا ما خرجتش من البيت علشان الراجل ده، ولا يوم حبيته، ولا يوم تمنيت أسيب بيتي علشانه، وكل اللي شافته فريدة يومها كان جزء صغير جدًا من حكاية أكبر بكتير من اللي هي عرفته، حكاية خوف وضغط وتهديد وسكوت وغلطات اتجمعت فوق بعض لحد ما خنقتنا كلنا.
أنا كنت كل يوم برجع البيت مستنية أحس إن في حد سندني، مستنية أحس إن في ضهر أستند عليه، مستنية أحس إن الراجل اللي اخترته شريك عمر هيقف جنبي ويقولي متخافيش، لكن مع الوقت بقيت حاسة إني بحارب لوحدي. كل مرة أقول إني خايفة كنت تقولي استحملي، وكل مرة أحكي عن تصرفاته وتلميحاته كنت تحاول تهديني
يمكن كنت بتحاول تحافظ على البيت.
ويمكن كنت فاكر إن الصبر هيحل المشكلة.
لكن أنا من جوايا كنت بتكسر حتة حتة.
ولما عرفت حجم نفوذ الراجل الحقيقي، ولما بدأت التهديدات تبقى أوضح، ولما حسيت إن وجودي نفسه بقى خطر عليكم، خفت.
وخفت أكتر لما حسيت إنك إنت كمان مش قادر تواجه.
ساعتها لأول مرة حسيت إني لوحدي فعلًا.
ومش علشان مكنتش بتحبني.
أنا عارفة إنك كنت بتحبني.
وعارفة إنك كنت خايف علينا.
لكن الحب لوحده ماكانش كفاية.
أنا كنت محتاجة حد يقف جنبي.
وإنت اخترت تقف بعيد.
كنت محتاجة جوزي يبقى سندي.
لكن الخوف كسبك أكتر من مرة.
وأيوة...
أنا غلطت لما هربت.
وغلطت لما سبت بناتي.
وغلطت لما استسلمت.
لكن إنت كمان غلطت.
غلطت لما شفت خوفي وسكت.
وغلطت لما عرفت نية الراجل وماوقفتوش.
وغلطت لما طلبت مني أستحمل أكتر مما أقدر.
وغلطت لما سبتني أواجه كل ده لوحدي.
يمكن لو كنا وقفنا جنب بعض وقتها...
ماكانش بيتنا اتكسر بالشكل ده.
ويمكن لو كنت لقيت فيك السند اللي كنت بدور عليه...
ماكنتش وصلت للحظة اللي هربت فيها من كل حاجة.
بعدها البيت بقى مليان غضب وسكوت ووجع، وكل يوم كنت بحس إن الدنيا بتقفل عليا أكتر، وكل يوم كنت بفقد جزء جديد من نفسي، لحد ما وصلت للحظة ما بقيتش شايفة فيها أي مخرج.
أنا ما مشيتش علشان اخترت حد غيركم.
ولا علشان كنت عايزة أبدأ حياة جديدة.
ولا علشان حبيت الراجل ده.
أنا مشيت لأني ضعفت.
لأني خفت.
ولأني فقدت الإحساس بالأمان حتى جوه بيتي.
وهربت
وده أكبر ذنب هشيله طول عمري.
بلعت ريقي بالعافية وأنا بكمل.
وعارفة إن فريدة يمكن متصدقش الكلام ده أبدًا، ويمكن لو كنت مكانها ما كنتش هصدقه أنا كمان، لكن ربنا شاهد إني يومها ما كنتش بضحك علشان فرحانة ولا علشان راضية، كنت بضحك ضحكة إنسان مرعوب بيحاول يعدي موقف مش عارف يخرج منه إزاي، ويمكن دي أكتر حاجة هتفضل توجعني طول عمري، إن بنتي شافت اللحظة دي بعينيها ومكنش عندها أي سبب يخليها تفسرها غير بالطريقة اللي أي حد كان هيفسرها بيها.
هنا بدأت أنفاسي تضيق وأنا بكمل.
أنا غلطت لما خفت أكتر من اللازم، وغلطت لما هربت بدل ما أواجه، وغلطت لما رميت ذنبي فوق ضهر بنتي الصغيرة وخرجت أجري من الحقيقة، لكن مهما حصل ومهما عدت سنين، فريدة عمرها ما كانت السبب، والبنات عمرهم ما كانوا السبب، ولو في يوم سألوك عني قولهم إن أمهم غلطت، لكن قولهم كمان إنها كانت بتحبهم أكتر من أي حاجة في الدنيا.
هنا مقدرتش أكمل.
حطيت الورقة على رجلي وأنا حاسة إن الأوضة كلها بقت أضيق من إنها تستحمل اللي جوايا، ولأول مرة من اتناشر سنة حسيت إن في جزء من الحقيقة اللي كنت عايشة عليه بدأ يهتز تحت رجلي، مش لأنه وقع، لكن لأني اكتشفت إن فيه حاجات كتير ما كنتش أعرفها.
ساعتها حبيبة مسحت دموعها وقالت بصوت مبحوح
يبقى بابا كان عارف.
رفعت عيني ناحيتها.
فكملت وهي بتبص للورقة
كان عارف إنها بتبعت، وعارف إنها بتحاول توصل لنا، وعارف إننا عمرنا ما شوفنا أي جواب.
الكلام وقع علينا زي صخرة.
لأن فجأة بقينا شايفين إن جزء كبير من الحكاية كان متخبي بإرادة حد.
وفجأة حسيت إني مش قادرة أفضل قاعدة ثانية
أول ما شاف الكيس في إيدي وشه كله اتغير.
وقف ببطء شديد.
وقال
لقيتوه؟
محدش رد.
فضلنا واقفين.
وبعدين قولت بصوت مرتعش
ماما كانت بتبعت.
سكت.
قولت
كانت بتبعت وإنت كنت عارف.
لسه ساكت.
قولت
وكانت بتبعت وإنت خبيت الجوابات.
قفل عينه ثانية طويلة جدًا.
وبعدين فتحها وقال
أيوة.
والله العظيم الكلمة دي وجعتني أكتر من أي حاجة قريتها في الرسالة، لأن جزء جوايا كان لسه مستني تفسير تاني أو سوء فهم أو أي حاجة تخلي الصورة أقل وجعًا، لكن مفيش، كان فيه اعتراف مباشر وصريح ومفيش مكان للهروب.
حبيبة انفجرت في العياط وقالت
ليه؟ ليه تعمل فينا كده؟
قعد أبويا على الكرسي كأنه كبر عشرين سنة في دقيقة واحدة، وفضل ساكت شوية طويلة قبل ما يتكلم، ولما اتكلم كان صوته متكسر بشكل عمري ما سمعته منه قبل كده.
قال
أول جواب وصل بعد ما مشيت أمكم بحوالي شهرين، وقريته كله، وقعدت أعيط زي الطفل، لأني لأول مرة شفت نفسي بعين حد تاني، وشفت كل مرة كانت ترجع فيها من الشغل خايفة وأنا أقولها استحملي، وكل مرة كانت تحاول تفهمني إن الراجل ده نيته مش سليمة وأنا أقولها امشي الأمور، وكل مرة كانت تقول إنها مرعوبة وأنا أقنع نفسي إن الموضوع مجرد ضغط شغل وهيعدي لوحده، والحقيقة إني كنت فاهم أكتر ما كنت معترف لنفسي، وكنت
سكت لحظة ومسح دموعه.
وبعدين كمل
كنت فاكر إني بحافظ على البيت، لكن الحقيقة إني كنت بسيب النار تكبر جواه كل يوم.
حسيت إن صدري بيتقبض