لما أمي خرجت من البيت وسابت إخواتي الصغيرين بيعيطوا
حاسة إني بترجع لنسخة أصغر مني، للبنت اللي كانت بتصدق إن كل حاجة واضحة وبسيطة، قبل ما الحياة تتهشم قدامها بالشكل ده.
لحد ما وصلنا آخر الطرقة.
وباب أوضة صغير كان موارب.
والست وقفت وقالت بهدوء
هي جوه من فضلكم بالراحة.
قفلت عيني لحظة، وحسيت قلبي بينزل لتحت كأن كل الذكريات اللي كنت بدفنها بتطلع مرة واحدة، وبعدين دفعت الباب بإيدي ببطء شديد.
الأوضة كانت بسيطة بسيطة لدرجة مؤلمة.
سرير صغير، شباك مفتوح، نور خفيف داخل كأنه بيحاول يخفف قسوة المشهد، وكل حاجة فيها كانت هادية بشكل يخوف، الهدوء اللي بييجي قبل ما الحقيقة تظهر.
ولما دخلنا أكتر
شوفتها.
أمي.
لكن مش زي ما كنت فاكرة.
مش الست اللي في ذاكرتي.
دي كانت نسخة أضعف، أهدى، أنحف، وشعرها أبيض تقريبًا كله، ووشها عليه سنين مش بس سن واحد، سنين اتدفن فيها الصراخ جوهها وبقى بدل منه سكون تقيل، سكون الإنسان اللي شاف كتير لدرجة إن مابقاش عنده طاقة يشرح.
كانت قاعدة على السرير، باصة للشباك كأنها مستنية حاجة مش عارفة هتيجي ولا لأ، لحد ما حسّت بوجودنا.
بطّلت تبص.
وببطء شديد لفّت وشها ناحيتنا.
وفي اللحظة
الزمن وقف.
مش بطريقة شاعرية لأ، وقف فعلاً، لأن كل حاجة جوايا اتجمدت، كل الأسئلة اللي كنت مجهزاها اختفت، كل الغضب اللي كنت فاكرة إني جايباه معايا اتبخر، وما فضلش غير إحساس واحد بس إني واقفة قدام أم ضيعتها سنين، وهي كمان ضيعتني، وكلنا كنا فاكرين إننا بنعاقب بعض، وإحنا في الحقيقة كنا بنكسر نفسنا بس.
شفايفها ارتعشت.
وهمست بصوت مكسور جدًا
فريدة؟
وبعدين بصت لحبيبة
وحبيبة؟
اسمنا طلع منها كأنه بيتقال لأول مرة بعد عمر كامل من الصمت، وكأنها كانت بتحافظ عليه جواها لحد ما رجع يطلع بالعافية.
وفي ثانية واحدة، كل الجدران اللي كنت حاطاها حوالين قلبي وقعت.
مشهدها وهي بتقول أسماءنا كفاية يمسح سنين من القسوة، كفاية يخليني مش قادرة أفرق أنا جاية أعاتب ولا أشتاق ولا أعاتب نفسي قبل ما أعاتبها.
وحبيبة كانت أول واحدة تتحرك.
خطوة واحدة وبعدين جري.
وأنا وراها من غير ما أفكر.
وأمي كانت بتعيط.
مش عياط صوت عالي لأ، عياط هادي، موجوع، العياط اللي بييجي بعد سنين من الكتمان، كأن جسمها نفسه مش قادر يستوعب إن اللحظة دي حصلت فعلًا.
وإحنا كنا
مش بس دموع.
لكن سنين كاملة بتنهار.
اتناشر سنة من الفقد، من السؤال، من ليه، من الذنب، من السكوت، من كل حاجة اتكسرت جوا كل واحد فينا.
لحد ما الصوت بدأ يهدى.
والنَفَس يرجع.
بس الحقيقة ما راحتش.
كانت لسه واقفة.
وأكتر حاجة صعبة إن اللقاء مش معناه نهاية الألم، لكنه بداية مواجهة الحقيقة من غير هروب.
بعد لحظات، رفعت عيني وأنا لسه ماسكة فيها، وحسيت إني لازم أسأل، لازم أتكلم، لازم أطلع اللي جوايا حتى لو صوته هيكسر الدنيا تاني.
وقولت بصوت واطي
ليه؟
الكلمة كانت صغيرة بس تقيلة.
ليه سبتينا؟
ليه سكتنا؟
ليه كل السنين دي؟
أمي مسحت دموعها بإيد بترتعش، وبصت لنا كأنها بتحاول تجمع نفسها قبل ما تنهار تاني، وبصوت مبحوح قالت
مش هقول إني بريئة لأني مش بريئة.
ومش هقول إني مظلومة بس لأني كنت غلطانة.
أنا هربت.
لأني خوفت.
ولأني لما الدنيا اتقفلت حواليا، حسيت إني لو فضلت هتدفن وأنا عايشة.
سكتت لحظة طويلة، وبعدين كملت وهي باصة في الأرض
لكن أكتر حاجة وجعتني مش إني مشيت
أكتر حاجة وجعتني إني سيبتكم.
سيبت بناتي.
وسكتت وأنا كنت فاكرة
لكن الحقيقة إنه كان موت ببطء.
بصيت لها، وقلبي كان بيتكسر تاني، وقلت
وأبويا؟
رفعت عينيها ناحيتي بسرعة، وكأن السؤال ده كان أصعب من أي حاجة.
وقالت
أبوكي كان بيحبني.
بس كان بيخاف.
وأنا كنت محتاجة الحماية والسند. مش حد بيشاركني الخوف.
الكلام وقع بيننا كأنه اعتراف مش بس بحكاية، لكن بانهيار كامل لعلاقة، لعيلة، لسنين من سوء الفهم اللي كبر لحد ما بقى حياة كاملة.
وفجأة الباب اتفتح تاني.
ودخل أبويا.
واقف عند الباب.
ما بيننا.
وبينها.
وبين كل حاجة اتكسرت واتلمت بالغلط.
بص لها.
وهي بصت له.
والصمت بينهم كان مختلف صمت ناس فاهمة بعض أوي، بس اتأخروا أوي.
وبصوت منخفض جدًا، قال
أنا آسف.
بس المرة دي الكلمة ماكنتش ضعف كانت اعتراف متأخر، وندم مش بيطلب مسامحة، بس بيطلب فرصة يفهم نفسه.
أمي قالت
وأنا كمان آسفة
إننا بدل ما نحمي البيت كسرناه بإيدينا.
وفي اللحظة دي، فهمت إن مفيش حد بريء تمامًا.
ومفيش حد شرير تمامًا.
في بس ناس خافت وسكتت ودفعت التمن سنين طويلة.
وبعد وقت، كنا قاعدين كلنا في نفس الأوضة.
نفس البيت.
نفس
وأنا بصيت لهم كلهم، وبصيت لحبيبة، وبصيت لنفسي، وفهمت حاجة واحدة أخيرة
إن الحقيقة مش بتصلّح الماضي.
لكنها على الأقل بتوقف النزيف.
وبتدي فرصة جديدة حتى لو متأخرة.
وأول مرة من سنين طويلة
حسيت إني مش شايلة الذنب لوحدي.