حماتي عندها شقه بقلم اماني سيد

لمحة نيوز


ومعاها مفتاح الشقة الجديدة، ورسالة قصيرة مكتوب فيها
أنا خسرتك يوم ما صدقت غيري، والشقة دي عمري ما هتصلح اللي اتكسر... لكن أقل حق ليكي إنك متدفعيش تمن خيانتي.
وقفت رغدة تبص للمفتاح طويلًا...
ثم ابتسمت لأول مرة منذ شهور، لأنها أدركت أن بعض النهايات المؤلمة... هي في الحقيقة بداية لحياة أفضل رغدة فضلت ماسكة المفتاح في إيدها، وباصّة له كأنه أغرب حاجة شافتها في حياتها.
لكن بعد ثواني، حطته على الترابيزة وقالت لنفسها
اللي اتكسر بيني وبينه... لا شقة ولا عمارة هتصلحه.
تاني يوم الصبح، لبست وراحت لمحاميها.
حطت قدامه ورقة الطلاق ومفتاح الشقة.
المحامي ابتسم وقال
إيه رأيك؟ هتتنازلي عن كل القضايا وخلاص؟
قالت بحزم
لأ... أنا هاخد حقي بالقانون، مش عشان الفلوس... عشان محدش يعمل في ست تانية اللي اتعمل فيا.
وبدأت جلسات المحكمة.
في أول جلسة، حضر يوسف، ومي كمان كانت موجودة بعد ما رفعت قضية فسخ زواج بسبب التدليس، لأن يوسف أخفى عنها زواجه الأول.
أما حماته، فكانت كل جلسة تدخل وهي رافعة راسها، لكن مع كل ورقة جديدة كان المحامي يقدمها، كانت ثقتها بتنهار.
وفي الجلسة الأخيرة...
وقف القاضي وقال
بعد الاطلاع على المستندات وسماع الشهود...
وساد الصمت في القاعة.
حتى الأنفاس كانت مسموعة.
ثم نطق بالحكم.
أثبت حق رغدة في مستحقاتها الزوجية كاملة، وألزم يوسف بها، وأحال ملف شبهة التزوير للنيابة للتحقيق، مع الفصل في نزاع ملكية العقار في دعوى مستقلة.
خرجت رغدة من المحكمة وهي حاسة إن حملًا كبيرًا اتشال من على قلبها.
في الخارج، لقيت يوسف مستنيها.
قال بصوت واطي
عارف إنك مستحيل تسامحيني... بس أنا ندمان.
ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت
الندم بيرجع لصاحبه راحته... لكنه مش بيرجع لغيره عمره.
وسابته ومشيت.
بعد سنة...
افتتحت رغدة مشروعًا صغيرًا كانت بتحلم بيه من زمان.
كبر المشروع، وبقى مصدر رزقها وفخرها.
وفي يوم، وهي واقفة في محلها، دخلت سيدة كبيرة في السن.
بصتلها كويس...
كانت حماتها.
لكنها ما

كانتش بنفس الهيئة.
ملامحها تعبانة، وشعرها كله شاب.
قربت منها وقالت والدموع في عينيها
سامحيني يا بنتي... أنا خسرت ابني... وخسرت بيتي... وخسرتك.
رغدة سكتت لحظات، ثم ردت بهدوء
أنا مسامحاكي لوجه الله... لكن اللي فات عمره ما هيرجع.
خرجت حماتها وهي تبكي.
أما رغدة، فبصت من شباك محلها للشارع، وابتسمت.
لأنها أخيرًا فهمت أن أقوى انتقام من الظلم... ليس الانتقام نفسه، بل أن تنجح وتعيش بسلام، بينما يظل من ظلمك يواجه نتائج أفعاله.
بعد ما خرجت حماتها من المحل، رغدة كانت هتقفل الباب...
لكن قبل ما تلف المفتاح، دخل شاب أنيق في أواخر الثلاثينات، لابس بدلة، وفي إيده ملف.
وقف قدامها وقال
حضرتك الأستاذة رغدة؟
قالت باستغراب
أيوه.
مد لها كارت وقال
أنا المستشار القانوني لشركة استثمار عقاري... وجاي بسبب قضية البيت.
رغدة اتجمدت.
افتكرت إن القضية خلصت.
قالت
القاضي لسه مأجل دعوى الملكية.
ابتسم وقال
وده اللي جاي أكلمك فيه... لأن في مستند جديد ظهر قلب القضية كلها.
قلبها بدأ يدق بسرعة.
مستند إيه؟
فتح الملف، وطلع خريطة قديمة للعقار، وعقد رسمي مختوم.
وقال
العقار اللي فيه شقة حماتك... اتضح إنه داخل ضمن قطعة أرض أكبر.
سكت لحظة، ثم كمل
وشركة كبيرة اشترت الأرض كلها بمبلغ ضخم... لكن في مشكلة.
رغدة همست
إيه هي؟
قال وهو بيبصلها مباشرة
مستحيل البيع يتم إلا بعد توقيع كل الملاك... واسمك موجود ضمن الملاك الرسميين.
رغدة حست إن رجلها مش شايلاها.
قالت
يعني أنا ليا نصيب؟
رد بهدوء
أكتر مما تتخيلي.
وفي نفس اللحظة...
تليفونها رن.
كان يوسف.
ترددت ترد...
ثم ردت.
أول ما سمعت صوته، حسّت إنه بينهج.
قال بسرعة
رغدة... اقفلي المحل وامشي فورًا... في ناس عرفوا إن المستندات عندك، وهم مستعدين يعملوا أي حاجة عشان متوصليش للمحكمة.
قبل ما تسأله أي حاجة...
سمعت صوت خناقة من بره.
بصت من واجهة المحل...
فلقت عربية سوداء وقفت فجأة.
ونزل منها ثلاثة رجال، واتجهوا مباشرة نحو باب المحل...
وأول واحد فيهم قال
بصوت مرتفع
إحنا جايين ناخد الملف... بالذوق أو بالعافية!أول ما سمعت رغدة الجملة، قلبها وقع.
بصت للمحامي، لقيته وشه اتغير فجأة.
همس لها بسرعة
اقفلي باب المكتب... حالًا.
لكن قبل ما توصل للمفتاح...
دقّة واحدة على الباب.
ثم دقة تانية أقوى.
ثم صوت خشن
افتحي... إحنا عارفين إن الملف جوه.
رغدة رجعت خطوة لورا وهي ضامة الملف لصدرها.
المحامي طلع موبايله واتصل بالشرطة، لكن الشبكة كانت ضعيفة.
في اللحظة دي...
الباب اتفتح فجأة.
دخل أول راجل، طويل وعريض، وبص حواليه.
لكن قبل ما يتكلم...
طلع صوت من آخر المحل
واقف مكانك!
الكل لف.
كان يوسف.
واقف عند الباب الخلفي، وفي إيده عصاية حديد.
قال وهو بيبص للرجل
الملف ده محدش هيلمسه.
الرجل ضحك بسخرية.
إنت فاكر نفسك هتمنعنا؟
يوسف رد بثبات
المرة دي... هصلح الغلطة اللي دفعت تمنها أنا ورغدة.
وفجأة...
خرج راجل تاني من العربية، أول ما شافته رغدة شهقت.
كان مختار... السمسار اللي كانت حماتها بتقوله إنها هتأجر الشقة عن طريقه.
لكن الغريب إنه أول ما شاف رغدة قال
أنا مش جاي أخد الملف... أنا جاي أحذرك.
الكل بصله باستغراب.
قال وهو بيبلع ريقه
أم يوسف استخدمت اسمي زمان، لكن اللي بيحصل أكبر من الشقة بكتير.
المحامي سأله
تقصد إيه؟
مختار بص حواليه واتأكد إن الباب اتقفل، ثم قال بصوت منخفض
من عشرين سنة... كان في ورث كبير، وفي ناس زورت أوراق علشان تستولي عليه... وأبو رغدة كان الوحيد اللي عرف الحقيقة.
رغدة اتجمدت.
يعني بابا... ما ماتش بسبب المرض؟
مختار نزل عينه في الأرض.
وقال الجملة اللي خلت المكان كله يسكت
أبوكي... مات قبل ما يقدر يشهد... وفي
ناس كانت مستعدة تعمل أي حاجة علشان السر ده يفضل مدفون.
وفي نفس اللحظة...
سمعوا صوت سيارة شرطة تقف أمام المحل...
لكن الرجال اللي بره ابتسموا.
واحد منهم قال
الشرطة؟... دي مش جاية لنا.
ثم أشار بإيده نحو السيارة.
نزل منها رجل بملابس رسمية...
وأول ما شافته رغدة، المحامي همس بفزع
إقفلي الملف... ده الشخص اللي
اسمه مكتوب في آخر صفحة من المستندات... واللي كنا فاكرين إنه مات من سنين!رغدة حست إن الدم اتجمد في عروقها.
بصت للمحامي وقالت بصوت مخنوق
إنت بتقول إيه؟!
رد وهو بياخد الملف من إيدها بسرعة
آخر صفحة فيها اسمه... وإحنا اتأكدنا من شهادة الوفاة من سنين. وجوده هنا معناه إن حد زوّر كل حاجة.
الرجل نزل من العربية بهدوء، كان شعره كله أبيض، لكن ملامحه قوية.
أول ما دخل المحل، بص لرغدة وقال
أنتِ بنت الحاج فؤاد؟
هزت رأسها وهي مش فاهمة.
ابتسم ابتسامة حزينة وقال
أنا مدين لأبوكي بعُمري.
قبل ما يكمل...
حماتها دخلت المحل وهي بتصرخ
اوعوا تسمعوا كلامه! ده نصاب!
الرجل لف ناحيتها، وأول ما شافها اتغيرت ملامحه.
وقال بغضب
بعد كل السنين دي... لسه بتهربي من الحقيقة يا أم يوسف؟
سكتت.
لأول مرة... سكتت.
يوسف بصلها باستغراب.
ماما... إنتِ تعرفيه؟
نزلت دمعة من عينها، وقالت بصوت واطي
أعرفه...
ثم أغمضت عينيها وأكملت
ده... أخو أبوك.
يوسف شهق.
رغدة فتحت عينيها بصدمة.
يعني الراجل ده... عم يوسف؟
الرجل قال بهدوء
أنا سافرت بره مصر من أكتر من عشرين سنة، وسيبت توكيل لأخويا يدير أملاكي. لما رجعت، اكتشفت إن نص الأراضي اتباعت بأوراق مزورة، وإن الحاج فؤاد... والد رغدة... حاول يمنعهم.
بص ناحية حمات يوسف.
لكن كان في ناس مستفيدة من السكوت.
حمات يوسف انهارت على الكرسي.
وأخيرًا قالت الحقيقة
أنا... أنا كنت عارفة.
يوسف صرخ
عارفة إيه؟!
ردت وهي بتبكي
أبوك شارك في التزوير... ولما والد رغدة هدد يبلغ، حصلت بينه وبينهم خناقة كبيرة... وبعدها بأيام مات.
ساد صمت مرعب.
رغدة دموعها نزلت بدون ما تحس.
لكن الرجل الكبير قال
أنا عندي دليل يثبت مين زور العقود... ومين كان المستفيد الحقيقي.
ثم فتح حقيبته الجلدية القديمة...
وأخرج فلاشة صغيرة.
وقال
كل الحقيقة... موجودة هنا.
في اللحظة نفسها...
انطفأت الكهرباء في المحل كله.
وغرق المكان في ظلام دامس.
ثم سمعوا صوت زجاج بيتكسر...
وصوت شخص يجري...
ولما رجعت الكهرباء
بعد ثوانٍ...
كانت الفلاشة اختفت...
والرجل الكبير كان ملقى على الأرض، والدم بينزل من رأسه.
أما الباب...
فكان مفتوحًا على آخره، وكأن شخصًا خرج منه مسرعًا، حاملًا السر الذي قد يغيّر حياة الجميع.

 

تم نسخ الرابط